فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 118

وَيُنْتَهَكُ فِيْهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِيْ مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيْهِ نُصْرَتَهُ» (رواه أبو داود) .

5 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيْدُ شَيْنَهُ بِهِ حَبَسَهُ اللهُ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» (رواه أبو داود أيضا) .

والأحاديث في ذلك كثيرة.

أما المعروف بالفساد والأذى، فيستحب أن لا يستر عليه، بل يرفع قضيته إلى وليّ الأمر - أيّده الله تعالى - إن لم يخف من ذلك مفسدة، إذ الستر على مثله يطمعه في الإيذاء والفساد، وجسارة غيره على مثل فعله.

سمعت بعض مشايخي في الفقه - رحمة الله عليهم - يذكر هذه الحكاية في درسه في الجامع الأزهر، وهي: أن رجلا نام، فرأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه، فقال له: يا فلان، قم من منامك، فسافر إلى بلدة كذا، فاسأل بها عن فلان المعداوي، فاقرأه مني السلام، وقل له: أنت رفيق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنة، فلما استيقظ من منامه سافر إليه، فوجده لم يعمل خيرا في نهاره، فأعلمه بذلك، وسأله عن عمله، فقال له: تزوجت بامرأة، فلما دخلت بها ولدت عندي ولدا من أول ليلة، فسترت عليها ولم أفضحها، وأخذت الولد، فجئت به للجامع، وجلست أنتظر الناس، فلما حضروا لصلاة الصبح، تسارعوا إلى أخذ الولد، فحلفت بالطلاق ما يأخذه إلا أنا، فأخذته ورددته إلى أمه، فربيته، وسترت عليها.

فيا إخواني، هذا هو الستر.

قوله (وَاللهُ فِيْ عَوْنِ الْعَبْدِ) أي بمعونته وتأييده (مَا كَانَ الْعَبْدُ فِيْ عَوْنِ أَخِيْهِ) أي مدة كونه في عونه بالإعانة بما تيسر من أنواعها.

كل هذا حثٌّ على فعل الخير، إذا الخلق عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله، كما ورد.

كما يستحب ستر الزلات يستحب ستر الأبدان.

1 -قال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَسَا مُؤْمِنًا عَارِيًا كِسَاهُ اللهُ مِنْ خَضْرَاءِ الْجَنَّةِ» أي من ثيابها الخضر.

2 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا كَانَ فِيْ حِفْظِ اللهِ مَا بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِنْهُ رِقْعَةٌ» . وفي رواية: «خِرْقَةٌ»

3 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى عَوْرَةَ أَخِيْهِ فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُوْدَةً مِنْ قَبْرِهَا» .

4 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَسَا مُسْلِمًا لَمْ يَزَلْ فِيْ سِتْرِ اللهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خَيْطٌ» .

5 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللهُ مِنِ اسْتَبْرَقِ الْجَنَّةِ» .

والأحاديث في ذلك كثيرة شهيرة.

يستحب لمن لبس ثوبا جديدا أن يتصدق بالثوب العتيق. ذكره العلماء.

قوله (وَمَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيْقًا إِلَى الْجَنَّةِ) أي أرشده إلى سبيل الهداية والطاعة الموصلين إلى الجنة. أو أنه يجازى على فعله بتسهيل دخول الجنة بقطع العقبات الشاقة دونها يوم القيامة، كالجواز على الصراط ونحوه. وفيه حثٌّ على فضل العلم وطلبه.

وقد تظاهرت الآيات والأخبار والآثار وتواترت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله والاجتهاد في اقتباسه وتعليمه.

فمن الآيات:

1 -قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] .

2 -وقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] .

3 -وقوله تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: 18] . فبدأ بنفسه، وثنى بملائكته، وثلّث بأولي العلم دون غيرهم، وناهيك به شرفا.

4 -وقوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] . قال ابن عباس: لهم درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام.

5 -وقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] . فحصر خشيته فيهم، وأعظم به شرفا، لأن معرفته سبب خشيته.

ومن الأخبار:

1 -قوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ» (رواه البخاري ومسلم) .

2 -وقوله - صلى الله عليه وسلم - لِعلي - رضي الله عنه: «لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (رواه سهل عن ابن مسعود) .

3 -وقوله - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ اِنْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يَنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» .

4 -وقوله - صلى الله عليه وسلم: «اَلْعُلَمَاءُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَخُلَفَاءُ الْأَنْبِيَاءِ» .

5 -وقالت عائشة - رضي الله عنها: إِذا أتى عليّ يوم لا أزداد فيه علما فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم.

6 -وقال عمرو بن دينار: العلم أشرف الأحساب.

7 -وفي حديث مكحول عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللهُ اَلْعُلَمَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّيْ لَمْ أَسْتَوْدِعْكُمْ حِكْمَتِيْ وَأَنَا أَرِيْدُ عَذَابَكُمْ: اُدْخُلُوْا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِيْ» .

8 -وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه: «إِنَّ اللهَ يُبَاهِيْ اَلْمَلَائِكَةَ بِمِدَادِ الْعُلَمَاءِ كَمَا يُبَاهِيْ بِدَمِ الشُّهَدَاءِ» .

9 -وقال إبراهيم بن أدهم: ما أظن أن الله تعالى يدفع البلاء عن أهل الأرض إلا برحلة أصحاب الجنة.

10 -وقال الشافعي - رحمه الله: من لا يحب العلم لا خير فيه، فلا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة، فإنه حياة القلوب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت