فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 118

فكذلك الإعطاء من الخزائن لا ينقصها شيئا ألبتة، إذ لا نهاية لها، والنقص مما لا يتناهى محال، بخلافه مما يتناهى، كالبحر وإن جلّ وعظم، فكان أكبر المرئيات في الأرض، بل قد يوجد العطاء الكثير من المتناهي، ولا ينقص كالنار، والعلم يقتبس منهما ما شاء الله، ولا ينقص منهما شيء، فعلم أن قوله هنا (إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) وقول الخضر لموسى - عليهما السلام: «مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ وَعِلْمُ الْخَلَائِقِ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ هَذَا العُصْفُورِ مِنْ هَذَا البَحْرِ» ليس المراد بهما حقيقتهما، وإنما كل منهما مَثَلٌ تقريبي للأفهام ليعلم منه أنه لا نقص في تلك الخزائن ولا في علم الله ألبتة لما قررناه.

ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: «يَمِيْنُ اللهِ» أي إعطاؤه وإفاضته على عباده من تلك الخزائن كالليل والنهار أي وأنه لا ينقص منهما شيء، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض لم ينقص مما في يمينه شيئا مما في خزائن قدرته، لأن عطاءه بين الكاف والنون: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] .

وحكمة ضرب المثل هنا بالإبرة أنها أصغر ما يعاين مع كونها صقيلة لا يتعلق بها إلا ما لا يمكن إدراكه.

وفي الحديث تنبيه على إدامة السؤال، فلا يختصر سائل، ولا يقتصر طالب.

قوله: (يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ) أي أضبطها لكم بعلمي وملائكتي الحفظة. واحتيج لهم معه لا لنقصه عن الإحصاء، بل ليكونوا شهداء بين الخلق والخالق، وقد تضم إليهم شهادة الأعضاء زيادة في العدل: {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14] . والحصر هنا بالنسبة لجزاء الأعمال.

قوله: (فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا) أي ثوابا ونعيما (فَلْيَحْمَدِ اللهَ) على توفيقه لما ترتب عليه ذلك الجزاء والثواب.

أخرج الترمذي: «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوْتُ إِلَّا نَدِمَ، فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُوْنَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ كَانَ مُسِيْئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُوْنَ اِسْتَعْتَبَ» ، ولا يجب على الله شيء لأحد من خلقه.

قوله: (وَمَنْ وَجَدَهُ غَيْرَ ذَلِكَ) أي شرا، ولم يذكره بلفظه تعليما لنا كيفية الأدب في النطق بالكناية عما يؤذي أو يستقبح أو يستحيى من ذكره، وإشارة إلى أنه إذا اجتنب لفظه فكيف الوقوع فيه، وإلى أنه تعالى حيي كريم يحب الستر ويغفر الذنب، ولا يعاجل بالعقوبة، ولا يهتك الستر.

قوله: (فَلَا يَلُوْمَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) أي فإنها آثرت شهواتها ومستلذاتها على رضا خالقها ورازقها فكفرت بنعمه ولم تذعن لأحكامه وحكمه فاستحقت أن يعاملها بظهور عدله، وأن يحرمها مزايا جوده وفضله.

ورد هذا الحديث بزيادة على ما هنا، وهو ما أخرجه الترمذي عن أبي ذر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُ فَسَلُونِي الهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلاَّ مَنْ أَغْنَيْتُ فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَكُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلاَّ مَنْ عَافَيْتُ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلاَ أُبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمْ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ مَا سَأَلَ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلاَّ كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً ثُمَّ رَفَعَهَا إِلَيْهِ، ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ عَطَائِي كَلاَمٌ وَعَذَابِي كَلاَمٌ إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُهُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: كُنْ، فَيَكُونُ} » . والله أعلم بمراده.

الحمد لله، ولا يحمد سوى الله، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، ولا ينبغي التسبيح إلا لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأستغفر الله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه السادة الثقاة، آمين.

عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَيْضًا «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: أَوَلَيَسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت