فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 118

اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم مشتمل على قواعد الدين.

قوله: (ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُوْرِ) أي المال الكثير (بِالْأُجُوْرِ) الكثيرة، وذلك لأنهم (يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ) أي بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم، وقيدوا بذلك بيانا لفضل الصدقة، فإنها بغير الفاضل عن الكفاية مكروهة أو محرمة.

وهذا ليس حسدا، بل غبطة: طلبا للمنافسة فيما يتنافس به المتنافسون لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة، ولما فهم منهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك.

(قَالَ) لهم جوابا وتطمينا لخاطرهم (أَوَلَيْسَ) أي أتقولون ذلك؟ أي لا تقولوه، فإنه (قَدْ جَعَلَ اللهُ) تعالى (لَكُمْ مَا تَصَدَّقُوْنَ) أي تتصدقون (بِهِ، إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ تَسْبِيْحَةٍ) أي قول: سبحان الله (صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيْرَةٍ) أي قول: الله أكبر (صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيْلَةٍ) أي قول: لا إله إلا الله (صَدَقَةً، وَأَمْرٍ بِمَعْرُوْفٍ) عرفه، إشارة إلى تقرره وثبوته، وأنه مألوف معهود (صَدَقَةً، وَنَهْيٍ عَنِ الْمُنْكَرِ) نكرة، إشارة إلى أنه في حيز المعدوم أو المجهول الذي لا ألفة للنفس فيه (صَدَقَةً) بشروط، منها: أن يكون مجمعا على وجوبه أو تحريمه، ويعلم من الفاعل اعتماد ذلك حال ارتكابه، وأن يقدر على إزالته، إما بيده أو بلسانه بأن لم يخش ترتب مفسدة عليه.

قال علماؤنا: ولا يشترط أن يكون ممتثلا ما يأمر به، مجتنبا ما ينهى عنه، بل عليه أن يأمر وينهى نفسه، فإن اختلّ أحدهما لم يسقط الآخر.

ولا يشترط في الأمر بالمعروف: العدالة، بل قال الإمام: وعلى متعاطي الكأس أن ينكر على الجلاس.

وقال الغزالي: يجب على من غصب امرأة للزنا أمرها بستر وجهها عنه.

وفي هذا الحديث فضل هذه الأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وقد ورد في فضل التسبيح ما رواه مسلم عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ؟ إِنَّ أَحَبَّ الْكَلَامِ إِلَى اللهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» .

وفي رواية الترمذي: «سُبْحَانَ رَبِّيْ وَبِحَمْدِهِ» .

وفي رواية لمسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَا اصْطَفَى اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ وَلِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ» وهذا محمول على كلام الآدميين، وإلا، فالقرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق.

وأما المأثور في وقت أو حال، فالاشتغال به أفضل.

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فِيْ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ ذُنُوْبُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» .

قال الطيبي: يوم مطلق، لم يعلم في أي وقت من أوقاته.

وقال غيره: ظاهر الإطلاق يشعر بأنه يحصل هذا الأجر المذكور لمن قال ذلك مائة مرة، سواء قالها متوالية أو متفرقة في مجالس أو بعضها أول النهار أو آخره.

وقوله: «غُفِرَتْ ذُنُوْبُهُ» أي الصغائر من حقوق الله خاصة، لأن حقوق الناس لا تغفر إلا باسترضاء الناس الخصوم.

وروى البزار عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيْمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ» .

وعن شريح العابد قال: بلغني أنه لو قسم ثواب تسبيحة على جميع هذا الخلق لأصاب كل واحد منهم خير.

وفضل التكبير أيضا كثير، وسيأتي بعضه.

وأما ما ورد في فضل لا إله إلا الله فشيء كثير:

1 -قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَا قَالَ عَبْدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا صَعَدَتْ لَا يَرُدُّهَا حِجَابٌ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى اللهِ تَعَالَى نَظَرَ اللهُ إِلَى قَائِلِهَا، وَلَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مُوَحِّدٍ إِلَّا رَحِمَهُ» .

2 -وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ طَاشَ مَا فِيْ صَحِيْفَتِهِ مِنَ الذُّنُوْبِ وَالْخَطَايَا حَتَّى تَسْكُنَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ» .

3 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .

4 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» .

وقد ذكرت في فضلها شيئا كثيرا في كتابي: تحفة الإخوان.

وأما ما ورد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأخبار كثيرة أيضا:

1 -عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ، وَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوْشِكَنَّ اللهُ يَبْعَثُ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُوْنَهُ فَلَا يَسْتَجِيْبُ لَكُمْ» [رواه الترمذي]

2 -وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، مُرُوْا بِالْمَعْرُوْفِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَنْ تَدْعُوا اللهَ فَلَا يَسْتَجِيْبُ لَكُمْ، وَقَبْلَ أَنْ تَسْتَغْفِرُوه فَلَا يَغْفِرُ لَكُمْ، إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوْفِ، وَالنَّهْيَ عَنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت