فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 118

(غَيْرَ نِسْيَانٍ) أي لها (فَلَا تَبْحَثُوْا عَنْهَا) لأن البحث عنها قد يكون سببا لنزول التشديد فيها بإيجاب أو تحريم.

1 -وقد صح: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُوْنَ» والمتنطع: البحاث عما لا يعنيه.

وقال ابن مسعود: إياكم والتنطع، إياكم والتعميق.

ومن البحث عما لا يعني: البحث عن أمور الغيب التي أمرنا بالإيمان بها، ولم تبين كيفيتها، لأنه قد يترتب عليها الحيرة والشك، ويرتقي إلى التكذيب.

ولهذا قال ابن إسحاق: لا يجوز التفكر في الخالق ولا في المخلوق بما لم يسمعوه فيه، كما يقال في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44] كيف يسبح الجماد؟ لأنه تعالى أخبر به فيجعله كيف شاء كما شاء. انتهى.

2 -وفي الصحيحين ما يؤيد حرمة التفكر في الخالق، كخبر البخاري: «يَأْتِيْ الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُوْلُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُوْلَ: مَنْ خَلَقَ اللهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ» .

فتفكروا يا إخواني في مصنوعات الله، ولا تتفكروا في الله، فالفكر في المصنوعات من أعظم القربات.

3 -وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «تَفَكَّرُوْا فِيْ خَلْقِ اللهِ وَلَا تَفَكَّرُوْا فِي اللهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تُقَدِّرُوْا قَدْرَهُ»

وقال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.

وقال إبراهيم بن أدهم: الفكرة حج العقل.

والفكر على ثلاثة أقسام:

الأول: الفكر في المصنوعات والاستدلال بها على الله، وهو شأن العلماء.

والثاني: الفكر في لطائف صنع الله تعالى وفواضل نعم الله، وهو مادة الشكر لله.

والثالث: الفكر في الأعمال لتخليصها من الشوائب، وهو شأن العابدين.

قال الفضيل - رحمه الله: الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185] أي أولم ينظروا ويتدبروا ويتفكروا في عجائب المملكة وبدائع ما في السماوات والأرض ويتفكروا فيما خلق الله من شيء فيجدوا فيه دلالة على حكمة الله ويتفكروا في اقتراب الآجال وانقطاع الآمال فيبادورا إلى صالح الأعمال فبأي حديث بعد هذا القرآن يؤمنون فالتفكر في المصنوعات هو المراد بهذه الآية وأمثالها وأقرب المصنوعات إليك نفسك ففي نظرك في خلقك وتركيبك وميلك وشهواتك وحواسك كفاية في الاعتبار.

قال الله تعالى: {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21] المعنى: أفلا تعتبرون وتنظرون إلى ما في أنفسكم من بدائع الحكمة وإتقان الصنعة ودقائق اللطائف وصنوف العجائب فتستدلون بها على خالقها وعلى كمال قدرته وقد زين الله تعالى الإنسان بالأعضاء الظاهرة وجمع الأشياء المتضادة في المعاني الباطنة وهي الحرارة والبرودة واليبوسية والرطوبة، وهذا من عجيب القدرة التي لا يقدر عليها غيره.

قال الشاعر:

الماء والنار في ذات قد اجتمعا ÷ والماء والنار كيف الحال ضدان.

وقال أهل البصائر الناقدة جعل الله تعالى في الإنسان سر نسخة الوجود كما قيل وسموه العالم الصغير.

وقيل: ما من مخلوق إلا وفي الإنسان خصلة منه، إما صورية أو معنوية.

وقال أهل النظر: ينبغي للإنسان أن يكون فيه عشر خصال من أخلاق الطير والبهائم: سخاوة الديك، وأمانة الحمامة، وصمت البازي، وحذر الغراب، وحزن الطاوس، وبصيرة الهدهد، وأنفة الفهد، وصدق الفرس، وصبر الجمل، وود الكلب.

قال بعض العارفين: التفكر ينقسم إلى قسمين؛ الأول يتعلق بالمعبود، والثاني: يتعلق بالعبد، فأما المتعلق بالعبد فينبغي له أن يتفكر هل هو على معصية أم لا، فإن رأى زلة من نفسه فله أن يتداركها بالتوبة، ثم يتفكر في نقل الأعضاء عن المعاصي إلى الطاعات فيجعل شغل عينيه الاعتبار وشغل لسانه الذكر والاستغفار والتسبيح والتهليل والأذكار، وكذلك سائر أعضائه في الليل والنهار يستعملها في طاعة الواحد القهار، ثم يتفكر في مبادرة الأوقات بالنوافل طلبا للربح في دار الأرباح فيصلي لله تعالى زيادة عن الغرض ما استطاع، وكذلك ينظر في أمر الصيام كالخميس والاثنين والأيام الشريفة التي هي مواسم الخير والطاعات، فلا يغفل عنها، ثم بعد ذلك ينظر إن وجبت عليه زكاة أخرجها لمتسحقيها، وإلا فليتصدق، ثم بعد ذلك ينظر في قصر عمره فيتنبه له قبل أن يذهب وهو لا يشعر، ثم بعد ذلك يتفكر في صفات الباطن فيترك الخصال المذمومة كالكبر والعجب والبخل والحسد ويفعل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت