فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 118

اعلموا - إخواني وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم، وهو أصل في السلوك والتقرب إلى المولى تبارك وتعالى، والوصول إلى معرفته، وهو من الأحاديث الإلهية، لأنه من كلام الله تعالى، رواه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن جبريل - عليه السلام - عن ربه عزّ وجلّ.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا) أي اتخذ عدوًّا (فَقَدْ آذَنْتُهُ) بالمدّ، وفتح الذال المعجمة، بعدها نون (بِالْحَرْبِ) أي أعلمتُه بأني محارب له عنه، بمعنى: أني مهلكه.

والوليّ، فيه وجهان:

أحدهما: أنه فعيل بمعنى مفعول، كقتيل وجريح، بمعنى: مقتول ومجروح. فعلى هذا، هو: مَن يتولّى الله رعايته وحفظه، فلا يكله إلى نفسه لحظة، كما قال تعالى: {وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ} [الأعراف: 196] .

والوجه الثاني: أنه فعيل مبالغة فاعل، كرحيم وعليم، بمعنى: راحم وعالم. فعلى هذا، هو: من يتولى عبادة الله تعالى وطاعته، فيأتي بها على التوالي، من غير أن يتخللها عصيان أو فتور.

وكلا المعنيين شرط في الولاية، فمن شرط الولي: أن يكون محفوظا، كما من شرط النبي أن يكون معصوما، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فليس بولي، بل هو مغرور ومخادع، كذا ذكره الإمام أبو القاسم القشيري - رضي الله عنه - وغيره من أئمة الطريق - رحمهم الله تعالى.

قال الفاكهاني - رحمه الله: من حاربه الله أهلكه.

وقال غيره: إيذاء أولياء الله علامة على سوء الخاتمة، كآكل الربا، عافانا تعالى من ذلك. فمن والى أولياء الله تعالى أكرمه الله، ومن عادى أولياء الله أهلكه الله.

قال أبو تراب النخشبي - رحمه الله: من ألف الإعراض عن الله صحبته الوقيعة في حق أولياء الله.

روي عن حاتم الأصم، عن جماعة من أصحاب العلوم والهمم: إن جرجيس نبي الله، نبي من أنبياء بني إسرائيل كان في زمانه ملك كثير الفساد، مصرّ على مظالم العباد، منع الله عنه المطر، حتى أسرف هو ومن معه على الهلاك والضرر، فركب هذا الملك الكافر الظالم الغادر في عساكره حتى أتى إلى جرجيس، فوجده في صومعته وهو يكثر التسبيح والتقديس، فقال له: يا جرجيس، إني إحملك رسالة إلى ربك، فقال له جرجيس: وما ذلك؟ قال: تقول لربك يأتينا بالمطر، وإلا آذيته أذية يسمعها سائر البشر، فما منعنا المطر غيره. قال: فدخل جرجيس إلى محرابه، وقد خرس من خوف الله تعالى عن جوابه، فجاءه جبريل بأمر الملك الجليل، فقال له: هات الرسالة التي معك على الوجه الذي قال لك، فقال جرجيس: إني أخاف من الله ذي الجلال عند مقال ذلك القول على ما قال. فقال جبريل: يا جرجيس، قل كما قال، هكذا أمر الله العزيز المتعال، فقال جرجيس: قال: إن لم يأتنا بالمطر، وإلا، آذيته أذية يسمعها سائر البشر. فقال جبريل: يا جرجيس، ربك يقول لك: قل له: بماذا تؤذيه؟ فمضى جرجيس إليه، وأعاد الرسالة عليه، فقال الملك: لا قدرة لي على أذيته إلا من وجه واحد، لأني ضعيف وهو قوي، وأنا عاجز وهو قادر، وإنما أوذي أحبابه، ومن آذى أحبابه فقد آذاه. فجاء جبريل فقال: يا جرجيس، قل له لا تفعل، فنحن نأتيك بالمطر، ثم جادت السماء بالسحاب، وامتلأت الصحارى بالسيول من كل جانب مدة ثلاثة أيام بإذن رب الأرباب، وأمر الله تعالى النبات والزرع في تلك الأيام الثلاثة أن يطلع، فلما طلعت الشمس نظر إلى الحياض مترعة، والفلوات مشرقة مشعشعة، والزروع إلى صدر الإنسان طالعة، والرياض مورقة متنوعة، فركب الملك وأتى إلى باب جرجيس وهو في صومعته يكثر من التسبيح والتقديس، فخرج إليه وقال: يا هذا، ما تريد منا، لِمَ لا تستغل بملكك عنا، لا تحملني مثل تلك الرسالة، فإن فيها فظاعة في المقالة، فقال: يا نبي الله، ما أتيت حربا، بل سلما، وقد انفتح بصر الضعيف الأعمى، فإن من عمل الإحسان مع عدوّه لأجل وليّه يجب أن تسجد الجباه لعظمته، وإني أريد المصالحة لتكون صفقتي رابحة، فقد ظهر لي بأن أسرار التوحيد لائحة، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه.

إخواني، دلّ هذا الحديث الإلهي أن عدوّ وليّ الله عدوّ لله تعالى، فمن عاداه كان كمن حاربه، نعوذ بالله تعالى من الإنكار والحرمان.

واعلموا، أن التقرب إلى الله تعالى إما بالفرائض، وإما بالنوافل، وأحب القسمين إلى الله تعالى الفرائض، فلذلك قال: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيْ) الإضافة للتشريف (بِشَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ) عينا أو كفاية، كأداء الحقوق، والأمر بالمعروف، وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت