وقال - صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْ يُؤَدِّبَ أَحَدُكُمْ اِبْنَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعِ طَعَامٍ» ، فجعل تأديب الابن أعلى من الصدقة، حكاه ابن أبي جمرة في شرح البخاري.
وقال أبو علي الروذباري: العبد يصل بأدبه إلى ربّه وبطاعته إلى الجنة.
وقال سرى السقطي - رضي الله عنه: صليت ليلة من الليالي، فمددت رجلي في المحراب، فنوديت في سري: هكذا تجالس الملوك؟ فقلت: لا وعزتك، لا مددت رجلي أبدا.
وقال بعض العارفين: مددت رجلي في الحرام، فقالت جارية: لا تجالسه إلا بالأدب، وإلا فيمحوك من ديوان المقربين.
وقال بعضهم: ترك الأدب موجب للطرد، فمن أساء أدبه على البساط طرد إلى الباب، ومن أساء أدبه على الباب طرد إلى سياسة الدواب.
وقال بعضهم: من تأدب بأدب الصالحين صلح لبساط المحبة، ومن تأدب بأدب الصديقين صلح لبساط المشاهدة.
وقال أبو يزيد البسطامي - رضي الله عنه: وصف لي عابد، فقصدت زيارته، فرأيته قد بصق إلى جهة القبلة، فرجعت عن زيارته، لأنه غير مأمون على أدب من آداب الشريعة، فكيف يكون مأمونا على الأسرار.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَفِلَ تِجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفِلَتُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» [رواه أبو داود] .
وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ فُتِحَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَكُشِفَتْ لَهُ الْحُجُبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَاسْتَقْبَلَهُ الْحُوْرُ الْعِيْنُ مَا لَمْ يَتَمَخَّطُ أَوْ يَتَنَخَّعُ» [رواه الطبراني] .
وقال - صلى الله عليه وسلم: «أَكْرَمُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» .
وقال - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَيِّدًا، وَإِنَّ سَيِّدَ الْمَجَالِسِ قُبَالَةُ الْقِبْلَةِ» .
وقال - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شَرَفًا وَزِيْنَةُ الْمَجَالِسِ اِسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ» .
وقال بعضهم: ما فتح الله على ولي إلا وهو مستقبل القبلة.
وحكي أن رجلا علّم ولَدَيْنِ القرآن على السواء، فكان أحدهما يقرأ وهو مستقبل القبلة، فحفظ القرآن قبل صاحبه بسنة.
قال أهل التصوف - نفعنا الله تعالى ببركاتهم: إذا صحت المحبة سقط الأدب، واستشهدوا لذلك بما نقل أن خطفارا ودّ خطافة، فدخلت قصر قصر سليمان - عليه السلام - فقال: إن لم تخرجي قلبت قصر سليمان - عليه السلام -، فدعاه، وقال: ما حملك على ما قلت؟ قال: يا نبي الله، إن العشاق لا يؤاخذون بأقوالهم.
وقالوا: إن الأدب أفضل من امتثال الأمر، واستشهدوا لذلك بأن الصديق - رضي الله عنه - تأخر عن المحراب، ولم يمتثل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - له بإتمام الصلاة.
وأما الفقهاء فقالوا: امتثال الأمر أفضل من الأدب، وبنوا على ذلك قول المصلي في التشهد:"اللهم صلى على محمد"من غير أن يقول"على سيدنا"، امتثالا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «قُوْلُوا: اَللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ» .
وقيل للعباس - رضي الله عنه: أنت أكبر أم النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله. وذلك من أدبه - رضي الله عنه -
دخل شقيق البلخي، وأبو تراب النخشبي على أبي يزيد البسطامي - رضي الله عنهم - فأحضر خادمه الطعام، فقالا للخادم: كل، فقال: إني صائم، فقال أبو تراب: كل، ولك أجر صيام شهر، فقال: إني صائم، فقال شقيق: كل ولك أجر سنة، فقال: إني صائم، فقال أبو يزيد: دعوا، من سقط من عين الله فقطعت يده في سرقة بعد سنة.
اللهم ارزقنا الأدب بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، ويا خير المسؤولين، بجاه سيد المرسلين، آمين.
الحمد لله الذي أدار الأفلاك على قطبي الشمال والجنوب وريح الصبا ورفع قبة السماء بغير عمد وملأها حرسا وشهبا، وجعلها بهجة للناظرين، فمن تأمل قدرته رأى من آياته عجبا، بحكمة بالغة حارت فيها عقول العلماء والفقهاء والأدبا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي خلق من الماء بشرا فجعله صهرا ونسبا، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي لم يزل بآداب ربه متأدبا، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه الأخيار النجبا، آمين.
عن أبي عمر، وقيل: أبي عمرة سفيان بن عبد الله - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، قُلْ لِيْ فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ. قَألَ: «قَلْ آمَنْتُ بِاللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» [رواه مسلم] .
اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم.
قوله: (قُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، قُلْ لِيْ فِي الْإِسْلَامِ) أي في شرائعه (قَوْلًا) أي جامع لمعاني الدين واضحا في نفسه بحيث لا يحتاج إلى تفسيره غيرك أعمل به وأكتفي به بحيث (لَا أَسْأَلُ) أي لا يحوجني، لما اشتمل عليه من الإحاطة والشمول ونهاية الإيضاح والظهور إلى أن أسأل (عَنْهُ