-وأما الإيثار بالماء فما حكي أن جماعة استشهدوا باليرموك، فأتي إليهم بماء، وفيهم الروح، فأتي إلى واحد منهم بالماء فأشار إليهم أن اسقوا فلانا، فأتوا إليه، فأشار إليهم أن اسقوا فلانا، وهكذا، فماتوا كلهم، ولم يشربوا من الماء إيثارا منهم لأصحابهم.
-وأما الإيثار بالنفس والروح فما روي أن عليا رضي الله عنه بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوحى الله إلى جبريل وميكائيل عليهما السلام أني آخيت بينكما، وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كلاهما الحياة، فأوحى الله سبحانه إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب! آخيت بينه وبين نبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فبات على فراشه يفديه بنفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض، فاحفظاه من عدوه، فكان جبريل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبريل ينادي: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب، وربك يباهي بك الملائكة.
-وأما الإيثار في باب الحياة فما ذكر عن ابن عطاء أنه قال: سعى شاب بالصوفية إلى بعض الخلفاء، وطعن فيهم عنده، فأخذوا النوري وأبا حمزة وجماعة منهم، فأدخلوهم على الخليفة، فأمر بضرب أعناقهم، فبادر النوري إلى السياف ليضرب عنقه، فقال له السياف: ما لك بادرت من بين أصحابك إلى القتل، فقال: أحببت أن أوثر أصحابي بحياة هذه اللحظة، فأعجب السياف وجميع من حضر فِعْلَه، وأخبر الخليفة بذلك، فردّ أمرهم إلى القاضي، فتقدم إليه النوري، فسأله عن الفرائض وسنن الشرائع، فأجابه، ثم قال: وبعد هذا، فإن لله عبادا يأكلون بالله، ويشربون بالله، ويسمعون بالله، ويلبسون بالله، ويصدرون بالله، ويردون بالله، فلما سمع القاضي كلامه بكى بكاء شديدا، ثم دخل على الخليفة وقال: إن كان هؤلاء زنادقة، فَمَنِ الموحد؟ ثم أطلقهم، نفعنا الله بهم.
قيل: كيف يحصل الإيمان الكامل بالمحبة المذكورة في الحديث؟ مع أن له أركانا أخر؟
فالجواب: إن ذكر المحبة مبالغة، لأنها الركن الأعظم نحو: «اَلْحَجُّ عَرَفَةُ» ، أو هي مستلزمة لبقية الأركان.
ولنختم المجلس بحكاية طريفة تتعلق باصطناع المعروف، وأن المعروف لا يضيع ولو مع غير أهله
حكي أن رجلا كان يعرف بابن حمير، وكان له ورد، وكان ذا ورع؛ يصوم النهار، ويقوم الليل، وكان مبتلى بالقنص، فخرج ذات يوم يصيد، إذ عرضت له حية، فقالت حية: يا محمد بن حمير، أجرني أجارك الله، فقال لها: من؟ فقالت: من عدو، وقد ظلمني. قال لها: وأين عدوك؟ قالت: ورائي. قال لها: ومن أي أمة أنت؟ قالت: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فتحت ردائي، وقلت لها: ادخلي فيه. قالت: يراني عدوي. قلت لها: فما الذي أصنع بك؟ قالت: إن أردت اصطناع المعروف فافتح لي فاك حتى أدخل فيه. قال: أخشى أن تقتليني! قالت: لا، والله، لا أقتلك، الله شاهد عليّ بذلك ولائكته وأنبياؤه ورسله وحملة عرشه وسكان سماواته إن أنا قتلتك. قال محمد: ففتحت فمي، فانسابت فيه، ثم مضيت، فعارضني رجل معه صمصامة يعني حربة، فقال: يا محمد! قلت: وما تشاء؟ قال: لقيتَ عدوي؟ قلت: ومن عدوك؟ قال: حية. قلت: لا، واستغفرت ربي من قولي لا مائة مرة وقد علمت أين هي، ثم مضيت قليلا، فأخرجت رأسها من فمي وقالت: انظر، مضى هذا العدو؟، فالتفتُّ، فَلَمْ أَرَ أحدا، فقلت لها، لَمْ أَرَ أحدا، إن أردتِ أن تخرجي فاخرجي، فما أرى إنسانا، فقالت: الآن يا محمد، اختر لك واحدا من اثنين، إما أن أفتت كبدك، وإما أن أثقب فؤادك وأدعك بلا روح، فقلت: يا سبحان الله، أين العهد الذي عهدت إليّ، واليمين الذي حلفته، وما أسرع ما نسيته! قالت: يا محمد، لِمَ نَسِيتَ العداوة التي كانت بيني وبين أبيك آدم، حيث أخرجتُه من الجنة، على أي شيء فعلت المعروف مع غير أهله! قلت لها: ولا بد أن تقتليني. قالت: لا بد من ذلك. قلت لها: فأمهليني حتى أصير تحت هذا الجبل، فأمهد لنفسي موضعا. قالت: شأنك. قلت: فضيت أريد الجبل، وقد أيست من الحياة، فرفعت طرفي إلى السماء، وقلت: يا لطيف، يا لطيف، الطف بي بلطفك الخفي، يا لطيف، بالقدرة التي استويت بها على العرش فلم يعلم العرش أين مستقرك منه إلا ما كفيتني هذه الحية. ثم مشيت، فعارضني رجل صبيح الوجه، طيب الرائئحة، نقي من الدرن، فقال لي: سلام عليك. قلت: وعليك السلام يا أخي. قال: ما لي أراك قد تغير لونك. قلت: من عدو قد ظلمني. قال: وأين عدوك قلت: في جوفي. قال لي: افتح لي فاك! قال: ففتحت فمي، فوضع فيه مثل ورق الزيتون أخضر، ثم قال: امضغ وابلع، فمضغت وبلعت. فلم ألبث إلا يسيرا حتى مغصني بطني، ودارت في بطني، فرميت بها من أسفل قطعة قطعة، فتعلقت بالرجل، وقلت: يا أخي، من أنت الذي منّ الله عليّ بك، فضحك، ثم قال: ألا تعرفني؟ قلت: لا، قال: إنه لما كان بينك وبين الحية ما كان، ودعوت بذلك الدعاء، ضجت ملائكة السماوات السبع إلى الله عزّ وجلّ، فقال: وعزتي وجلالي بعيني، كل ما فعلت الحية بعيدي، وأمرني سبحانه وتعالى بالمجيء إليك، وأنا يقال لي المعروف، مستقري في السماء الرابعة: أن انطلق إلى الجنة، فخذ ورقة خضراء، فالحق بها عبدي محمد بن حمير. يا محمد، عليك باصطناع المعروف، فإنه يقي مصارع السوء، وإن ضيعه المصطنع إليه، لم يَضِعْ عند الله عزّ وجلّ