فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 118

ويؤيد ذلك قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] .

وأخرج الترمذي: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا اِبْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» .

قوله: (وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ) أي من الله للعبد على أعدائه إنما يكون (مَعَ الصَّبْرِ) على طاعة الله، وعن معصيته.

قال الله تعالى: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] .

وقال تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] . أي بالنصر والإثابة، إلى غير ذلك من الآيات والأخبار.

ولهذا كان الغالب على من انتصر لنفسه الخذلان، فمن صبر، واحتسب نصره اللهُ وأيده.

قوله: (وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ) أي يوجد سريعا معه، فلا دوام للكرب.

وشواهده كثيرة في الكتاب والسنة، وفيه تسلية وتأنيس بأن الكرب نوع من النعمة، لما يترتب عليه. ومنه قول بعضهم:

عسى الكرب الذي أمسيت فيه ÷ يكون وراءه فرج قريب

ولعل الفوائد في الشدائد، قال الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى:

ولرب حادثة يضيق بها الفتى ÷ ذرعا وعند الله منها المخرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ÷ فرجت وكان يظنها لا تفرج.

وقال غيره: توقع صنع ربك سوف يأتي ÷ بما تهواه من فرج قريب

ولا تيأس إذا ما ناب خطب ÷ فكم في الغيب من عجب عجيب

وقال غيره:

لا تجزعن إذا ما الأمر ضقت به ÷ ولا تبيتن إلا خالي البالي

ما بين طرفة عين وانتباهتها ÷ يغير الله من حال إلى حال

قوله: (وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) أي كما نطق به القرآن العزيز، ومن ثم، ورد عن جمع من الصحابة، وعنه - صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يَغْلِبُ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» .

وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، واللفظ له: «لَوْ جَاءَ الْعُسْرُ، فَدَخَلَ هَذَا الْجُحْرَ، لَجَاءَ الْيُسْرُ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْهِ فَيُخْرِجَهُ» ، فأنزل الله هذه الآية.

من الأدعية المستجابة إذا حلّ للشخص أمر ضيق يطبق أصابع يده اليمنى، ثم يفتحها بكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، الله لك الحمد، ومنك الفرج، وإليك المشتكى، وبك المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهي فائدة حسنة.

حكي عن بعضهم أنه كان إذا طلب منه شيء أدخل يده في جيبه، فأخرج منه ما طلب منه، وكان أصحابه ينظرون إلى جيبه، ويعلمون أن ما فيه شيء، فسئل عن ذلك، فأخبر أن الخضر - عليه السلام - يأتيه بكل ما طلب منه، فالعجب ممن يتوكل على الله تعالى في نجاته من النار، وفي جوازه من الصراط، وفي شربه من الحوض، وفي دخوله الجنة، ولا يتوكل عليه في كسيرات يقمن صلبه، وفي ثوب يستر عورته، اللهم وفقنا أجمعين، آمين.

المجلس العشرون: في الحديث العشرين

الحمد لله الذي جعل قلوبنا يذكره مطمئنة، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله اطلع على ضمائرنا ومكنون سرائرنا، فلا يخفى عليه ما أضمره العبد وأكنّه، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل المخلوقين من ملك وإنس وجنة، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه الذين ينو الغرض والسنة، آمين.

عَنْ أَبِيْ مَسْعُوْدٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو اَلْأَنْصَارِيِّ اَلْبَدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُوْلَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» [رواه البخاري] .

اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم.

قوله: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُوْلَى) أي مما اتفقت عليه الشرائع، لأنه جاء في أولها، وتتابعت بقيتها عليه، إذ الحياء لم يزل في شرائع الأنبياء الأولين ممدوحا ومأمورا به، ولن ينسخ في شرع.

وفي حديث: «لَمْ يُدْرِكِ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُوْلَى إِلَّا هَذَا: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» .

قال بعضهم: معناه الخبر، وإن كان لفظه لفظ الأمر، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا لم يمنعك الحياء، فعلت ما شئت، فإن من لم يكن له حياء يحجزه عن محارم الله، فسواء عليه فعل الصغائر وارتكاب الكبائر.

قال بعضهم:

إذا لم تخش عاقبة الليالي ÷ ولم تستحي فاصنع ما تشاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت