الحمد لله الحليم الستار، المتفضل بالعطاء المدرار، النافذ قضاؤها بما تجري فيه الأقدار، يدني ويبعد، ويشقي ويسعد، ويهبط ويصعد، ربك يخلق ما يشاء ويختار. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مكور الليل على النهار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله المصطفى المختار، الشفيع فيمن يصلي عليه من النار، صلى الله عليه وعلى آله أصحابه ما طلع فجر واستنار، آمين.
عَنْ أَبِيْ ذَرٍّ جُنْدُبٍ بْنِ جُنَادَةَ اَلْغِفَارِيِّ، وَأَبِيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «اِتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح] .
اعلموا إخواني وفقني الله وإياكم لطاعته أن هذا الحديث حديث عظيم، اشتمل على ثلاثة أحكام: حق الله، وحق المكلف، وحق العباد:
-أما حق الله تعالى: فحيثما كنت اتقه، فإنه ناظر إلأيك، ورقيب عليك.
-وأما حق المكلف فهو محو الحسنة السيئة.
-وأما حق العباد فهو معاشرتهم بخلق حسن، كما سيأتي الكلام على ذلك كله.
فائدة
جندب - بفتح الدال وضمها وكسرها على قلة -، وجنادة بضم الجيم.
شئلتْ أم أبي ذر راوي هذا الحديث عن عبادته، فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية يتفكر.
وعن سفيان الثوري رضي الله عنه أنه قال: قام أبو ذر رضي الله عنه فالتقاه الناس، فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أرادسفرا، أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى، قال: فسفر القيامة أبعد مما تريدون، فخذوا ما يصلحكم، قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حجوا حجة لعظائم الأمور، وصوموا صوما شديدا حره لطول يوم النشور، وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولونها، أو كلمة شر تسكتون عنها، لوقوف يوم عظيم، تصدق بمالك لعلك تنجو، واجعل الدنيا مجلسين؛ مجلسا في طلب الحلال، ومجلسا في طلب الآخرة، والثالث لا يضرك ولا ينفعك فلا ترده، اجعل المال درهمين؛ درهما تنفقه على عيالك في حل، ودرهما تقدمه لآخرتك، والآخر لا يضرك ولا ينفعك فلا ترده.
فتأملوا هذه الموعظة العظيمة عن أبي ذر رضي الله عنه
روى أنس بن مالك أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، مَا أَصْبَحْتُ صَبَاحًا قَطُّ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنِّيْ لَا أُمْسِيْ، وَمَا أَمْسَيْتُ مَسَاءً قَطُّ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنِّيْ لَا أُصْبِحُ، وَلَا خَطَوْتُ خَطْوَةً إِلَّا ظَنَنْتُ أَنِّيْ لَا أُتْبِعُهَا أُخْرَى، وَكَأَنِّيْ أَنْظُرُ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ جَاثِيَةٌ، كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا وَمَعَهَا نَبِيُّهَا وَأَوْثَانُهَا الَّتِيْ كَانَتْ تَعْبُدُهَا مِنْ دُوْنِ اللهِ، وَكَأَنِّيْ أَنْظُرُ إِلَى عُقُوْبَةِ أَهْلِ النَّارِ وَثَوَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَالَ: «قَدْ عَرَفْتَ فَالْزَمِ» .
ولترجع إلى الكلام على الحديث فنقول:
قوله (اِتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ) سببه أن أبا ذر - رضي الله عنه - لما أسلم بمكة - شرفها الله تعالى - قال له النبي - صلى الله عليه وسلم: «اِلْحَقْ بِقَوْمِكَ رَجَاءَ أَنْ يَنْفَعُهُمْ اللهُ بِكَ» ، فلما رأى حرصه على المقام معه بمكة، وعلم - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يقدر على ذلك، قال له: «اِتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ... الحديث» ، فإنه أولى لك من الإقامة بمكة، وهو أمر لكل من يتأتى توجيه الأمر إليه، ليعمّ كل مأمور، حتى لا يختص به مخاطب دون مخاطب. ومعنى ذلك: امتثِلْ - أيها المكلف - أوامر الله، واجتنب نواهيه في كل مكان وأوان، فإنه معك أينما كنت، وناظر إليك، ومطلع عليك، كما دلت عليه الآيات والأخبار.
واعلموا - يا إخواني - أن التقوى كلمة وجيزة جامعة لكل خير.
جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أَوْصِنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا جِمَاعُ كُلِّ ْخَيْرِ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِيْنَ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ نُوْرٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، وَذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَاخْزَنْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ» .
وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ اِتَّقَى اللهَ عَاشَ قَوِيًّا، وَسَارَ فِيْ بِلاَدِهِ آمِنًا» .
وقال ابن وهب - رحمه الله: الإيمان عريان، ولباسه التقوى، وريشه الحياء، ورأس ماله العفة.
وقال غيره: مَنْ سَرَّه أن تدوم له العافية، فليتق الله.
وقيل لبعض الصالحين عند موته: أَوْصِنَا، قال: عليكم بآخر آية من سورة النحل: {إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُون} [] ، والآيات والأخبار في التقوى كثيرة شهيرة.
في بستان العارفين للنووي - رحمه الله: إن داود - عليه السلام - قال: يا رب، كن لابني سليمان كما كنت لي، فأوحى الله إليه: قل لابنك يكون لي كما كنت لي، أكون له كما كنت لك.