قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُضِيَ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا يَاْخُذُهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» .
-ورابعها: أنه أباح ما حرم الله وعصمه من المال والدم والعرض. قال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ» .
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ» ثَلَاثًا، قُلْنَا: «بَلَى يَا رَسُوْلَ اللهِ» قَالَ: «اَلْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوْقُ الْوَالِدَيْنِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّوْرِ، وَشَهَادَةُ الزُّوْرِ» فَمَا زَالَ يُرَدِّدُهَا حَتَّى قُلْنَا: «لَيْتَهُ سَكَتَ» يعني: شفقة عليه، لئلا يتعب من التكرار.
فشهادة الزور لا يأتي بها إلا كل قليل الحظ من الخير والتقوى، فليحذر العبد من ذلك، ولا يشهد إلا بما علم، كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُوْنَ} [] .
وقال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ، إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُوْلًا} [] .
والحكمة في تخصيص هذه الثلاثة بالسؤال أن العلم بالفؤاد، وهو مستند إلى السمع والبصر، لأن مدرك الشهادة الرؤية والسماع، وهما بالبصر والسمع.
ولقد مدح الله تعالى أقواما في كتابه بقوله: {وَالَّذِيْنَ لَا يَشْهَدُوْنَ الزُّوْرَ} أي: لا يشهدون شهادة ور، ولا يحضرون مواضع الباطل، ومجالس السوء واللهو، {وَإِذَا مَرُّوْا بِاللَّغْوِ} أي: بمواضع الباطل {مَرُّوْا كِرَامًا} يكرمون نفوسهم بصونها عن الاشتغال بالباطل، جعلنا الله منهم بِمَنِّهِ وكرمه.
إخواني، تجنبوا مجالس السوء، حصوصا مجالس الزور والباطل، ورشوة قضاة السوء الذين بدلوا، وعن الحق عدلوا، وللحرام أكلوا.
ففي الحديث: «لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالْمَاشِيْ بَيْنَهُمَا» أو كما قال، والرشوة هي: ما يبذل للقاضي ليحكم بغير الحق، أو ليمتنع من الحكم بالحق، كما هو مشاهد، وهي حرام مطلقا، لما ورد فيها من الأحاديث.
نكتة وهي ختام هذا المجلس اللطيف
في الحلية، في ترجمة عكرمة، قال: كانت القضاة في زمن بني إسرائيل ثلاثة، فمات أحدهم، فولي مكانه غيره، ثم قضوا ما شاء الله أن يقضوا، ثم بعث الله لهم ملكا يمتحنهم، فوجد رجلا يسقي بقرة على ماء، وخلفها عجلة، فدعاها الملك، وهو راكب فرسا، فتبعتها العجلة، فتخاصما، فقالا: بيننا القاضي، فجاآ إلى القاضي الأول، فدفع إليه الملك درة كانت معه، وقال له: احكم بأن العجلة لي، قال: بماذا أحكم؟ قال: أرسل الفرس والبقرة والعجلة، فإن تبعت الفرسَ فهي لي، فأرسلها، فتبعتْ الفرسَ، فحكم بها له، وأتيا القاضي الثاني، فحكم كذلك وأخذ درة، وأما القاضي الثالث فدفع له الملك درة، وقال له: احكم بيننا، فقال: إني حائض، فقال الملك: سبحان الله، أيحيض الذكر؟! فقال له القاضي: سبحان الله، أتلد الفرس بقرة؟! وحكم بها لصاحبها.
فالبلاء يا إخواني قديم، نسأل الله العافية والعفو، آمين، آمين، والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله علام الغيوب، غافر الذنب وقابل التوبة ممن يتوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تمحى بها ظلمات الذنوب، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي كشف له عن كل محجوب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه مَنْ زالت بهم الكروب.
عَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ اَلْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ اْلإِيْمَانِ» [رواه مسلم] .
اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته أن هذا الحديث حديث عظيم.
قوله (مَنْ رَأَى) يحتمل أن يكون المراد الرؤية البصرية. قال بعضهم: والأشبه أنها العلمية.
قوله (مِنْكُمْ) المراد: جميع الأمة المخاطبون فقط، فالحاضر يعلم الغائب.
قوله (مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ) أي يزيله (بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الإزالة بما ذكر (فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ اْلإِيْمَانِ) ومعناه: أقل ثمرات الإيمان، إذ فيه الكراهة فقط.
وقد جاء في رواية: «وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيْمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» أي لم يَبْقَ وراء هذه المرتبة مرتبة أخرى، لأنه إذا لم يكرهه بقلبه فقد رضي بالقضية، وليس ذلك من شأن الإيمان، فعلم من ذلك أنه لا يكفي الوعظ لمن أمكنه إزالته باليد، ولا كراهة القلب لمن قدر على النهي باللسان.