وبيان ذلك وإيضاحه أن الإحسان في الفعل هو إيقاعه على مقتضى الشرع أو العقل، وهو ما يتعلق بمعاش الفاعل أو بمعاده؛ فالأول: سياسة نفسه وبدنه وأهله وإخوانه وملكه والناس، والثاني: الإيمان، وهو عمل القلب، والإسلام، وهو عمل الجوارح، كما قدمنا في حديث جبريل عليه السلام. فإن أحسن الإنسان في هذا كله، بأن فعله على وجهه، فقد حصل كل خير، وسلم من كل ضير. وما ذكر من الإحسان عام في كل شيء.
وقد أفرد صلى الله عليه وسلم بالذكر: الرفق في القتل والذبح، إما أنه ضرب ذلك مثلا للإحسان اتفاقا، لا عن مقتضٍ خصه بالذكر، وهو عمل الجوارح، وإما أن سبب الحديث الذي هو فعل الجاهلية اقتضاه، فإنهم كانوا يمثلون في القتل بجدع الأنف، وقطع الأيدي والأرجل ونحو ذلك، وكانوا يذبحون بالمدى الكالة والعظم والقصب ونحوه مما يعذب الحيوان، أو لأن القتل والذبح غاية ما يفعل من الأذى، فأمر صلى الله عليه وسلم بالرفق في كل شيء.
فيا إخواننا، عليكم بالرفق، فإنه ما كان في شيء إلا زانه، ولا نزع الرفق من شيء إلا شانه.
انظروا بعين البصيرة إلى حكمة الله تعالى كيف لم يفرض الصلاة على العباد في أول الإسلام، بل فرضها ليلة المعراج، وكذلك الصيام، فرض في السنة الثانية من الهجرة، وكذلك تحريم الخمر بعد وقعة أحد، ذلك تعليم لعباده الحلم والصبر وأخذ الأمور على الاستدراج، لئلا يعجلوا في أمورهم، فإن العجلة ندامة.
يؤخذ من قول الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ... إلى قوله: وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36] الرأفة بالحيوانات والوصية بها، فقد صح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُوْلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» .
وأخرج النسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ عُصْفُوْرًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا، لِمَ قَتَلَنِيْ عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِيْ لِمَنْفَعَةٍ»
وفي الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ غَفَرَ لِبَغِيٍّ بِسِقَايَةِ كَلْبٍ، وَعَذَّبَ اِمْرَأَةً فِيْ هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوْعًا وَعَطَشًا»
ويحكى عن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى قال: ركبت مرة حمارا، فضربته مرتين أو ثلاثا، فرفع الحمار رأسه إليّ وقال لي: يا أبا سليمان، إنما القصاص يوم القيامة، فإن شئت فاقلل، وإن شئت فأكثر.
وهذا فيه زجر لمن يؤذي الدابة بالضرب أو الأحمال الثقيلة أو قلة العلف ونحو ذلك، وأنه مسؤول عن ذلك يوم القيامة، فليتق العبد ربه ويحسن كما أحسن الله إليه، ويخاف من القصاص يوم القيامة بينه وبين البهائم.
إخواني، أطيعوا الله ولا تعصوه.
فعن وهب قال: إن الرب عز وجل قال في بعض ما يقول لبني إسرائيل: إني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت، وبركتي ليس لها نهاية، وإذا عصيت غضبت، وإذا غضبت لعنت، ولعنتي تلحق السابع من الولد أي وذلك من شؤم المعصية.
حكي أن الخليفة هارون الرشيد رحمه الله حلف بالطلاق أنه من أهل الجنة، فاجتمع إليه العلماء، فما أفتاه أحد بذلك، فدخل عليه ابن السماك، فقال: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك حزينا مهموما، فقال: من شأن كذا وكذا، قال ابن المساك: أسألك عن شيء: هل نويت معصية قط ثم تركتها خوفا من الله تعالى؟ قال: نعم، قال: يا أمير المؤمنين، أنت من أهل الجنة، فإن الله تعالى يقول: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] .
قيل إن رجلا من بني إسرائيل كان فاجرا مسرفا على نفسه، لما ارتكب من الفواحش فأتى في مسيره على بئر، فإذا كلب يلهث من العطش، فَرَقَّ له ورثى له، فنزل في البئر، ونزع خفه، وسقى الكلب وأرواه، فشكر الله عز وجل صنعه وغفر له، وأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان بأن قل لذلك المسرف: إني قد غفرت له جميع ما اقترف برحمته على خلقي.
روى ابن عساكر في تاريخه عن بعض أصحاب الشبلي، قال: رأيت الشبلي في النوم بعد موته، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه الكريمتين وقال: يا أبا بكر، أتدري بماذا غفرت لك؟ فقلت: بصالح عملي، قال: لا، فقلت: بإخلاصي في عبوديتي، فقال: لا، فقلت، بحجي وصومي وصلاتي، فقال: لم أغفر لك بذلك، فقلت: بهجرتي إلى الصالحين، وبإدامة أسفاري وطلب العلوم، فقال: لا، فقلت: يا رب، هذه المنجيات التي كنت أعقد عليها حسن ظني أنك بها تعفو عني، قال: كل هذه لم أغفر لك بها، فقلت: إلهي، فبماذا؟ قال: أتذكر حين كنت تمشي على درب بغداد فوجدت هرة صغيرة قد أضعفها البرد وهي تنزوي إلى جدار من شدة البرد والثلج، فأخذتها رحمة لها، فأدخلتها في فرو كان عليك وقاية لها من ألم البرد، فقلت: نعم، قال: برحمتك لتلك الهرة رحمتك.
اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمي يا رب العالمين.