فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 118

الحمد لله مسخر السحب السائرة، ومجري الكواكب الزاهرة، ومحيي العظام الناخرة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المؤيد بالمعجزات الباهرة، وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب الفاخرة.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم.

قوله: (كُلُّ سَلَامَى) - بضم السين، وتخفيف اللام، وفتح الميم - مفرد سلاميات - بفتح الميم وتخفيف الياء - قيل: جميع عظام الجسد ومفاصله.

وفي خبر مسلم: «خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَلَى سِتِّيْنَ وَثَلَثُمِائَةِ مِفْصَلٍ، فَفِيْ كُلِّ مِفْصَلٍ صَدَقَةٌ» .

قوله: (مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلُّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيْهِ الشَّمْسُ) أي في مقابلة ما أنعم الله به على الإنسان في خلق تلك السلاميات.

وفي حديث الصحيحين: «فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ» ، ويلزم من ذلك القيام بجميع الطاعات، وترك جميع المحرمات.

قوله: (فَيَعْدِلُ) أي فيصلح (بَيْنَ الاِثْنَيْنِ) أي المتخاصمين (صَدَقَةٌ) عليهما، ويجوز الكذب في الصلح الجائز، وهو ما لا يحل حراما، ولا يحرم حلالا، مبالغة في وقوع الألفة بين المسلمين.

قيل: تمنى جبريل - عليه السلام - أن يكون في الأرض يسقي الماء، ويصلح بين المسلمين.

قوله: (وَيُعِيْنُ الرَّجُلَ فِيْ دَابَتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ) أي عليه.

قوله: (وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ) وهي كل ذكر ودعاء للنفس والغير، وسلام عليه ورده، وثناء عليه بحق، ونحو ذلك مما فيه سرور واجتماع القلوب وتألفها بما فيه معاملة الناس بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال. ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم: «وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِقٍ» .

قوله: (وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ يَمْشِيْهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ) فيه مزيد الحث والتأكيد على حضور الجماعات، وعمارة المساجد، إذ لو صلى في بيته فاته ذلك.

إذا كان يوم القيامة يأتي قوم فيقفون على الصراط يبكون، فيقال لهم: جوزوا على الصراط، فيقولون: نخاف من النار، فيقول جبريل - عليه السلام: كيف كنتم تمرون على البحر؟ فيقولون: بأسفن، فيؤتى بالمساجد التي كانوا يصلون فيها كأسفن، فيركبونها ويمرّون على الصراط.

1 -وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تُحْشَرُ مًسَاجِدُ الدُّنْيَا كَأَنَّهَا بُخْتٌ بِيْضٌ قَوَائِمُهَا مِنَ الْعَنْبَرِ، وَأَعْنَاقُهَا مِنَ الزَّعْفَرَانِ، وَرُؤُوْسُهَا مِنَ الْمِسْكِ، وَأَزِمَّتُهَا مِنَ الزَّبَرْجُدِ، وَالْمُؤَذِّنُوْنَ يَقُوْدُوْنَهَا، وَالْأَئِمَّةُ يَسُوْقُوْنَهَا، وَالْمُحَافِظُوْنَ يَتَّبِعُوْنَهَا فَيَعْبُرُوْنَ فِيْ عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، فَيَقُوْلُ أَهْلُهَا: هَؤُلَاءِ مَلَائِكَةٌ مُقَرَّبُوْنَ أَمْ أَنْبِيَاءُ مُرْسَلُوْنَ؟ فَيُقَالُ: هَؤُلَاءِ الَّذِيْنَ حَافَظُوْا عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ» .

2 -وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «اَلْمَشَّاؤُوْنَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ أُوْلَئِكَ الْخَوَّاضُوْنَ فِيْ رَحْمَةِ اللهِ» .

إذا كان يوم القيامة أمر بطبقات المصلين إلى الجنة، فتأتي أول زمرة كالشمس، فتقول لهم الملائكة: من أنتم؟ قالوا: نحن المحافظون على الصلاة. قالوا: كيف كانت محافظتكم؟ قالوا: كنا نسمع الأذان، ونحن في المساجد، ثم تأتي زمرة أخرى كالقمر ليلة البدر، فتقول الملائكة: ممن أنتم؟ قالوا: نحن المحافظون على الصلاة. قالوا: كيف كانت محافظتكم؟ قالوا: كنا نتوضأ قبل الوقت، ثم تأتي زمرة أخرى كالكواكب، فتقول الملائكة: من أنتم؟ قالوا: نحن نحن المحافظون على الصلاة. قالوا: كيف كانت محافظتكم؟ قالوا: كنا نتوضأ قبل الأذان.

وقيل: في قوله تعالى: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} [] هو الذي يدخل المسجد بعد قيام الصلاة، و {الْمُقْتَصِدُ} من يدخله بعد الأذان، والسابق من يدخله قبل الأذان.

وقال عمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: {أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} [مريم:] أي أضاعوا مواقيتها مواقيتها.

1 -وفي الحديث: «لَا تُسَلِّمُوا عَلَى يَهُوْدِ أُمَّتِيْ» ، قِيْلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ يَسْمَعُ الْأَذَانَ وَلَا يَحْضُرُ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ» .

2 -وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم، ووجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم، وقال: من قال: من قال ذلك قال الشيطان: عصم مني سائر اليوم.

3 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ تَدَاعَتْ جُنُوْدُ إِبْلِيْسَ وَاجْتَمَعَت كَمَ تَجْتَمِعُ النَّحْلُ عَلَى يَعْسُوْبِهَا، فَإِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: اَللَّهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيْسَ وَجُنُوْدِهِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا لَمْ يَضُرَّهُ» قاله في الأذكار.

4 -قال ابن عباس - رضي الله عنهما - كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى وقال: « {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ للهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا} [الجن:] اَللَّهُمَّ عَبْدُكَ وَزَائِرُكَ، وَعَلَى كُلِّ مَزُوْرٍ حَقٌّ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَزُوْرٍ، فَأَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ أَنْ تَفُكَّ رَقَبَتِيْ مِنَ النَّارِ» ، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال: «اَللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيَّ الْخَيْرَ صَبًّا، وَلَا تَنْزَعْ عَنِّيْ صَالِحَ مَا أَعْطَيْتَنِيْ، وَلَا تَجْعَلْ مَعِيْشِيْ كَدًّا» حكاه القرطبي في سورة الجن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت