فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 118

قد تضمن هذا الحديث الحث على التقليل من الدنيا.

16 -ولذا قال - صلى الله عليه وسلم: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ» .

17 -وقال: «حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيْئَةٍ» كما مرّ.

18 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى» .

19 -ونقل من الأربعين الوزغانية خبر: «اِرْغَبْ فِيْمَا عِنْدَ اللهِ يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيْمَا فِيْ أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ»

إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، وإن الراغب في الدنيا يتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، ليجيء أقوام يوم القيامة لهم حسنات كأمثال الجبال، فيؤمر بهم إلى النار، فقيل: يا نبي الله، أو يصلون؟ قال: كانوا يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ويأخذون هنا من الليل، لكنهم كانوا إذا لاح لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه.

20 -ونقل بعضهم خبرا: «أيها الناس، اتقوا الله حق تقاته، واسعوا في مرضاته، وأيقنوا من الدنيا بالغناء، ومن الآخرة بالبقاء، واعملوا لما بعد الموت، فكأنكم بالدنيا، ولم تكن، وبالآخرة، ولم تزل، إن كل من في الدنيا ضيف، وما فيها عارية، وإن الضيف مرتحل، والعارية مردودة، والدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والدنيا مبغضة لأولياء الله، محببة لأهلها، فمن شاركهم في محبوبهم أبغضوه» .

21 -وفي خبر أحمد، والترمذي، وابن ماجه: «مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ، جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِيْ قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ، شَتَّتَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ تَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ» .

22 -وروى الترمذي: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوْضَةٍ، مَا سَقَى مِنْهَا كَافِرًا شَرْبَةَ مَاءٍ» .

وإذا علم ذلك، فمن محاسن العاقل: أن لا يغترّ بمحاسن الدنيا، فإنها ساحرة تزيّن ظاهرها بمحاسنها، وتخفي قبائحها ومساويها في باطنها، ليغترّوا الجاهل بما يرى من ظاهرها، ومثلها كمثل عجوز قبيحة المنظر، تخفي وجهها، وتلبس أحسن الثياب، وتتزيّن وتتجمّل، ليفتتن الخلق من بعد، فإذا كشفوا عنها غطاءها وخمارها، وألقوا عنها إزارها، كرهوا النظر في وجهها، وعاينوا قبائحها، وندموا على الاغترار بها،

23 -كما جاء في الخبر: «إِنَّ الدُّنْيَا يُؤْتَى بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيْ صُوْرَةِ عَجُوْزٍ، قَبِيْحَةٍ، مُشَوَّهَةٍ، زَرْقَاءِ الْعَيْنَيْنِ، كَرِيْهَةِ الْمَنْظَرِ، قَدْ تَعَرَّتْ عَنْ أَنْيَابِهَا، وَكَشَرَتْ عَنْ أَسْنَانِهَا، فَإِذَا رَآهَا الْخَلَائِقُ قَالُوْا: نَعُوْذُ بِاللهِ مِنْ هَذِهِ الْقَبِيْحَةِ الْمُشَوَّهَةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ الَّتِيْ كُنْتُمْ عَلَيْهَا تَتَحَاسَدُوْنَ، وَلِأَجْلِهَا كُنْتُمْ تَتَحَاقَدُوْنَ، وَتَسْفِكُوْنَ الدِّمَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَتَقْطَعُوْنَ أَرْحَامَكُمْ، وَتَغْتَرُّوْنَ بِزُخْرُفِهَا، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهَا إِلَى النَّارِ، فَتَقُوْلُ: يَا إِلَهِيْ، أَيْنَ أَحْبَابِيْ؟ فَيُؤْمَرُ بِهِمْ، فَيُلْقَوْنَ مَعَهَا فِيْ نَارِ جَهَنَّمَ» .

24 -وقد قال - صلى الله عليه وسلم: «اِحْذَرُوْا الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا أَسْحَرُ مِنْ هَارُوْتَ وَمَارُوْتَ» .

ورأى عيسى - عليه السلام - الدنيا في بعض مكاشفاته، وهي على صورة عجوز هرمة، فقال لها: كم كان لكِ من زوج؟ فقالت: لا يحصون كثرة. فقال عيسى - عليه السلام: ماتوا عنكِ أم طلقوكِ؟ قالت: بل أنا طلّقتهم وأفنيتهم. فقال: يا عجبا لهؤلاء الحمقى الآخرين الذين يشاهدون ما بسواهم صنعت وهم فيها يرغبون، وبغيرهم لا يعتبرون.

ومن أعجب النكت ما حكي عن إبراهيم بن أدهم - رضي الله عنه - أنه وافق مجلسا في الري، والري قرية من قرى الإسلام، وإذا فيه عالم جالس على سرير مرتفع بالخيلاء والتكبر، فلما فرغ من وعظه، تعوّذ إبراهيم، وقرأ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ} [الملك: 1 - 2] السَّرِيرَ، فقال الفقيه: أخطأتَ يا خرّاساني، فقرأ: اَلَّذِي خَلَقَ الْفَرَسَ وَاللِّجَامَ، وكانت دابة الفقيه على باب المسجد، فقال: أخطأت، فقال: اَلَّذِيْ خَلَقَ الْقَصْرَ، فقال: أخطأت، فقال: علمني كيف هو؟ قال: قل: {اَلَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} فقال إبراهيم: إذا علمت أنك خلقت للموت، فما هذا الخيلاء والتكبر؟ فقال: رميت سهما معترضا، ونفذ سهمك في الغرض، فنزل عن السرير، وتاب إلى الله تعالى، وخرج مع إبراهيم سياحا، وترك داره وماله لأهله حتى مات - رحمة الله تعالى عليهما -

اللهم وفقنا أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله الذي منّ علينا بفضله العميم، إذ منّ علينا بمحمد أفضل الخلق، فهدانا إلى دين الحق والصراط المستقيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الكريم الحليم، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله الذي خص بالخلق العظيم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين فازوا منه بالحظ الجسيم.

عَنْ أَبِيْ سَعِيْدٍ سَعْدٍ بْنِ مَالِكٍ بْنِ سِنَانٍ اَلْخَزْرَجِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» حديث حسن رواه ابن ماجه، والدارقطني، وغيرهما مسندا، ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضا.

(1) ب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت