فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 118

بِيَدِ أَخِيكَ فَادْخُلا الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] ، فَإِنَّ اللهَ يُصْلِحُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِيْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (1) .

والصحيح أن الميزان واحد يوزن به للجميع، وإنما جمع لكثرة ما يوزن فيه من الأعمال، وصفته في العظم مثل طباق السماوات والأرض، توزن فيه الأعمال بقدرة الله سبحانه وتعالى، والصبح يومئذم ثاقيل الذر والخردل، تحقيقا لتمام العدل، وتطرح صحائف الحسنات في صورة حسنة في كفة النور، فيثقل بها الميزان على قدر درجاتها عند الله سبحانه وتعالى بفضل الله تعالى، وتطرح صحائف السيئات في صورة قبيحة في كفة الظلمة، فتخف بها الميزان كما يريد الله تعالى بعدله.

وعن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أنه قال: يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وضعت فيه السماوات والأرض لوسعها، فتقول الملائكة عند رؤيتها: يا ربنا، ما هذا؟ فيقول الله سبحانه وتعالى: هذا أزن به لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة عند ذلك: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.

وقيل: سأل داود - عليه السلام - ربه أن يريه الميزان، فأراه كل كفة تملأ ما بين السماوات والأرض، أو ما بين المشرق والمغرب، فلما رآه غشي عليه من هوله، ثم أفاق، فقال: إلهي، من ذا الذي يقدر أن يملأ كفته حسنات؟ فقال الله عزّ وجلّ: يا داود، إني إذا رضيت عبدي ملأته له بتمرة واحدة، يا داود، املأها له بشهادة أن لا إله إلا الله.

وجبريل - عليه السلام - هو الذي يزن الأعمال يوم القيامة، وهو آخذ بعموده، ينظر إلى لسانه، ورجحان الميزان كرجحان ميزان الدنيا، وقيل: بالعكس.

وللميزان مرجحات كثيرة،

-منها: قول العبد: لا إله إلا الله.

21 -قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يُصَاحُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِيْ عَلَى رُؤُوْسِ الْخَلَائِقِ، فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُوْنَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدُّ الْبَصَرِ، فَيَقُوْلُ اللهُ تَبَرَكَ وَتَعَالَى: {أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِيْ الْحَافِظُوْنَ؟} فَيَقُوْلُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُوْلُ: {أَفَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ} فَيَهَابُ الرَّجُلُ فَيَقُوْلُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُوْلُ: {بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ} ، فَيُخْرِجُ لَهُ بِطَاقَةً فِيْهَا قَوْلُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُوْلُ اللهِ، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيَقُوْلُ: {إِنَّكَ لا تُظْلَمُ} ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَةٍ، والْبِطَاقَةُ فِيْ كَفَةٍ، فَطَاشَتِ (2) السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ. قَالَ: فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللهِ شيءٌ» (3) .

-منها: الخلق الحسن.

22 -قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُوْضَعُ فِي الْمِيْزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَثْقَلُ مِنَ الْخُلُقِ الْحَسَنِ» .

-ومنها: قضاء حاجة المسلم.

23 -قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَضَى لِأَخِيْهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كُنْتُ وَاقِفًا عِنْدَ مَيْزَانِهِ، فَإِنْ رَجَحَ وَإِلَّا شَفَّعْتُ لَهُ» .

-ومنها: قراءة القرآن، وتعليم الناس الخير، ومداد العلماء، وإتباع الجنازة، والولد الذي يموت للإنسان فيحتسبه، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكثرة الاستغفار، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والصدقة، وتخفيف العمل عن الخادم، والأضحية، وكف التراب إذا ألقاه الإنسان في قبر المسلم عند دفنه، وإهالة التراب عليه، ورجحان الموازين في الدنيا، وأدلة هذه الأمور في السنة الغراء كثيرة مشهورة.

24 -عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُنْصًبُ الْمَوَازِيْنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُؤْتَى بِأَهْلِ الصَّلَاةِ، فَيُوْفُوْنَ أُجُوْرَهُمْ بِالْمَوَازِيْنِ، وَيُؤْتَى بِأَهْلِ الصَّيَامِ فَيُوَفَّوْنَ أُجُورَهُمْ بِالْمَوَازِينِ، وَيُؤْتى بِأَهْل الْحَج فَيُوَفَّوْنَ أُجُورهم بِالْمَوَازِينِ، وَيُؤْتَى بِأَهْلِ الْبَلاءِ فَلا يُنْصَبُ لَهُمْ مِيزَانٌ وَلا يُنْشَرُ لَهُمْ دِيوَانٌ وَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الأَجْرُ صَبًّا بِغَيْرِ حِسَابٍ حَتَّى يَتَمَنَّى أَهْلُ الْعَافِيَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا تُقْرَضُ أَجْسَادُهُمْ بِالْمَقَارِيضِ لِمَا يَرَوْنَ لِأَهْلِ الْبَلاءِ مِنَ الْفَضْلِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب} [الزمر: 10] » (4) .

وإذا وقع السؤال، ونصبت موازين الأعمال، وتطايرت الكتب عن اليمين والشمال، وضع الصراط على متن جهنم، أَحَدّ من السيف، وأدق من الشعر، ويؤمر الناس

(1) الأربعون الودعانية الموضوعة، حديث رقم 18.

(2) طاشت، قال ابن فارس في"مقاييس اللغة"3/ 437:"الطاء، والياء، والشين، كلمة واحدة، وهي الطيش والخفة. وطاش السهم من هذا، إذا لم يصب، كأنه خف وطاش وطار".

(3) رواه ابن حبان في صحيحه (225) ، وقال محققه (شعيب الأرناؤوط) : إسناده صحيح.

(4) ذكره السيوطي في اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (2/ 333) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت