فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 118

فكيف تكون عقول الخلائق إذا عاينوا الملائكة والرسل قد دعاهم الله للحساب والسؤال، ثم تقبل الملائكة على الخلائق وتنادي كل إنسان باسمه من غير كنية: يا فلان، هلمّ إلينا إلى موقف العرض، فمن المؤمنين من لا يحاسب،

15 -كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَبْعُوْنَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ» ،

وفي رواية: «مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعُوْنَ أَلْفًا» .

16 -وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُعْطِيْتُ سَبْعِيْنَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِيْ يَدْخُلُوْنَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وُجُوْهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَقُلُوْبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَاسْتَزَدْتُ رَبِّيْ عَزَّ وَجَلَّ، فَزَادَنِيْ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِيْنَ أَلْفًا» .

قال أبو بكر: فرأيت أن ذلك يأتي على أهل القرى، ويصيب من حافات البوادي.

ومنهم من يحاسب حسابا يسيرا، يستره الله عن جميع الخلائق، ويكلمه الله، ويقرره بذنوبه ويقول: سترت عليك في الدنيا، وأنا أغفر لك اليوم.

ومن عصاة المؤمنين من يشدّد عليه الحساب، حتى يستوجب العذاب، فيشفع فيه من أذن الله له من الأنبياء والأولياء.

17 -قال - صلى الله عليه وسلم: «لَأَشْفَعَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَكْثَرَ مِمَّا فِي الْأَرْضِ مِنْ حَجَرٍ وَشَجَرٍ» .

18 -وروي أن من المؤمنين من يشفع في رجل واحد، ومنهم من يشفع في رجلين، ومنهم من يشفع في قبيلة، على قدر درجاتهم.

ومن العصاة من لا يشفع فيه أحد، فيؤمر به إلى النار.

19 -وقد قال - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزُوْلُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِحَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيْمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيْمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيْهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتِسَبَهُ وَفِيْمَ أَنْفَقَهُ» .

ثم إن الله تعالى مع علمه بأعمال العباد يظهر العدل ويقيمالحجة، فينصب الموازين لوزن الأعمال، كما قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ... الآية} [الأنبياء: 47] ، ويؤتى بالصحف التي كتبتها الملائكة على العباد، فيخلق الله تعالى فيها ثقلا وخفة على قدر الأعمال، ويؤتى بكل إنسان فتوضع صحيفة حسناته في كفة، وصحيفة سيئاته في كفة، حتى يتبين له ولغيره رجحانها ونقصانها، وتتطاير الصحف، فيعطى كل عبد كتابا فيه جميع أعماله، يقرره من كان يكتب ومن كان لا يكتب.

وقد قيل في معنى ذلك:

تفكر يوما تأتي الله فردا ÷ وقد نصيبت موازين القضاء

وهتكت الستور عن المعاصي ÷ وجاء الذنب مكشوف الغطاء

ثم يتعلق المظلومون بالظالمين، هذا يقول: قتلني، وهذا يقول: ضربني، وهذا يقول: شتمني وسبّني، أو اغتابني، أو استهزأ بي، وهذا يقول: أخذ مالي وغشيني في معاملة، أو بخسني في وزن، أو كيل، أو شهد عليّ بزور، أو نظر إليّ نظر كبر، أو احتقار، فتفرق حسنات الظالم على المظلومين، فإذا لم يبق له حسنة جعل على الظالم من سيئات المظلوم، حتى يستوفي كل ذي حق حقه، فإن الرجل ليأتي بحسنات كثيرة، فتأخذها خصومه، وتطرح عليه سيئاته ما كان عملها، فيقول: ما هذا؟ فيقول: سيئات من ظلمته (1) .

20 -وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -قال: بَيْنَمَا رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ، إِذْ رَأَيْتُهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، فَقِيْلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ قَالَ: «رَجُلَانِ مِنْ أُمَّتِيْ جَثَيَا بَيْنَ يَدَي رَبِّيْ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ، خُذْ لِيْ مَظْلَمَتِيْ مِنْ أَخِيْ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: أَعْطِ أَخَاكَ مَظْلَمَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِيْ شَيْءٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِيْ» ، وَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُوْلِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَيَوْمٌ عَظِيْمٌ، يَحْتَاجُ فِيْهِ النَّاسُ أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُمْ مِنْ أَوْزَارِهِمٍ، ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ حَقَّهُ: ارْفَعْ بَصَرَكَ فَانْظُرْ إِلَى الْجِنَانِ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ، فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ، فَقَال: لِمَنْ هَذَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَنْ أَعْطَانِي ثَمَنَهُ، قَالَ: وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: أَنْتَ، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قَالَ: خُذْ

(1) ورد في هذا المعنى حديث في صحيح مسلم، قال مسلم: (2581) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت