فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 118

أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَأَنْطَلِقُ، فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ، وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلْ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَابُِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» (1) .

وفي البخاري: «كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ»

فهذه أول الشفاعات لإراحة الناس من هول الموقف، وهو المقام المحمود المراد من الآية، فعند ذلك يظهر نور عظيم تشرق منه أرض المحشر، وهو نور العرش، فترتعد فرائص الخلق، ويتيقنون بأن الجبار عزّ وجلّ قد تجلى لفصل القضاء، فيظن كل أحد أنه هو المأخوذ المطلوب، ثم يأمر الله تعالى جبريل أن يأتي بجهنم، فيأتيها، فيجدها تلتهب غيظا على من عصى الله، فيقول لها: يا جهنم، أجيبي خالقك ومليكك، فتثور وتفور وتشهق، فتسمع الخلائق لها صوتا عظيما تمتلئ القلوب منه فزعا ورعبا، ثم تزفر ثانية فيزداد الرعب والخوف، ثم تزفر ثالثة فتخرّ الخلائق على وجوههم، وتبلغ القلوب الحناجر، وينظر المجرمون من طرف خفي، ولا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه، كما قال الله تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28] ، ويتعلق الخليل بساق العرش ويقول: يا رب، لا أسألك إسماعيل ولدي، بل أسألك نفسي، ويتعلق موسى بساق العرش ويقول: يا رب، لا أسألك هارون أخي، بل أسألك نفسي، ويتعلق عيسى بساق العرش ويقول: يا رب، لا أسألك مريم أمي، ولكن أسألك نفسي، ثم يتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيأخذ بخطامها فيقول لها: ارجعي وراءك مدحوضة مدحورة، فتقول: يا محمد، ليس لي عليك من سبيل، دعني أنتقم من أعداء ربي عزّ وجلّ، فيأتي النداء من العلى، من قِبل الله سبحانه وتعالى: أطيعي محمدا، فترجع وراءها مسيرة خمسمائة عام، ثم يخرج منها ثلاثة أعناق، الأول منها يقول: أين من قال: أنا الله، فتلتقطهم من المحشر كما يلتقط الطير الحب، ثم تدخلهم في جوفها، ثم يخرج العنق الثاني فيقول: أين من قال: ولد الله، فتلتقطهم كما يلتقط الطير الحب، ثم يخرج العنق الثالث، فيقول: أين من أكل رزق الله وعبد غيره، فتلتقطهم كما يلتقط الطير الطير الحب.

14 -وعن معاذ بن حنبل - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قَالَ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُنَادِيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَوْتٍ رَفِيْعٍ غَيْرِ وَضِيْعٍ: يَا عِبَادِيْ، أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ، وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِيْنَ، وَأَسْرَعُ الْحَاسِبِيْنَ، يَا عِبَادِيْ لَا خَوْفَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُوْنَ، أَحْضِرُوا حُجَّتَكُمْ، وَيَسِّرُوْا جَوَابَكُمْ، فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُوْنَ مُحَاسَبُوْنَ، يَا مَلَائِكَتِيْ، أَقِيْمُوْا عِبَادِيْ صُفُوْفًا عَلَى أَطْرَافِ أَنَامِلِ أَقْدَامِهِمْ.

وقد قيل في المعنى:

مثل وقوفك يوم العرض عريانا ÷ مستوحشا قلل الأحشاء حيرانا

والنار تلهب من غيظ ومن حنق ÷ على العصاة ورب العرش غضبانا

اقرأ كتابك يا عبدي على مهل ÷ فلن ترى فيه حرفا غير ما كانا

لما قرأت ولم تنكر قراءته ÷ اقرار من عرف الأشياء عرفانا

نادى الجليل خذوه يا ملائكتي ÷ وامضوا بعبد عصى للنار شيطانا

المشركون غدا في النار يلتهبوا ÷ والمؤمنون بدار الخلد سكانا

فأول من يدعى للحساب الملائكة والرسل إظهارا للعدل، وإقامة للحجة على من كذب، وزيادة تخويف للجاحدين

(1) متفق عليه. انظر البخاري [3340، 4712] ، ومسلم [194] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت