-ومنها: أن تكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحا، وإما بأن يكون فاسقا، أو مغفلا، أو نحو ذلك، فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية ليزيله ويولي غيره ممن يصلح، ونحو ذلك.
5 -خامسها: الفسق، كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس، وجباية الأموال ظلما، فيجوز ذكره بما تجاهر به، ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب.
6 -سادسها: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب، كالأعرج والأعمش والأهرج والأعمى والأحول، جاز تعريفه بذلك، ويحرم إطلاقه على وجه التنقيص، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى.
وأدلة ما ذكرنا شهيرة ليس هذا محل الإطالة فيها.
ما تقدم من أن الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية، أي إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين، وإن تركه الكل أثموا مع التمكن بلا عذر ولا خوف، محله ما إذا كان في موضع يعلم به غيره، وإلا فيتعين.
لا تعارض بين قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ ... إلى آخره» وبين قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ، إِلَى اللهِ مَرِجِعُكُمْ .. } [] ، إذ معناه عند المحققين أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به لا يضركم تقصير غيركم، وإذا كان كذلك، فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل، لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر، لا القبول.
اللهم وفقنا أجمعين، آمين، آمين، والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله الذي خلق الإنسان من طين، وكتب سعادته وشقاوته ورزقه وأجله وهو في قرار مكين، وأشهد أن لا إله إلا الله الخالق المنشئ المميت المحيي تبارك الله أحسن الخالقين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله الناصح الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأنصاره وأزواجه وذريته وسلم تسليما كثيرا، آمين.
(عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحَاسَدُوْا، وَلَا تَنَاجَشُوْا، وَلَا تَبَاغَضُوْا، وَلَا تَدَابَرُوْا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُوْنُوْا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، اَلْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، اَلتَّقْوَى هَهُنَا - وَيُشِيْرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ اْمْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [رواه مسلم] . صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
اعلموا إخواني - وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث عظيم الفوائد، كثير العوائد.
قوله (لَا تَحَاسَدُوْا) أي لا يحسد بعضكم بعضا.
ومعنى الحسد: تمني زوال النعمة عن الغير، وهو حرام بالإجماع. وفي ذمه أحاديث كثيرة، وهو داء لا دواء له من أمراض القلوب العظيمة، وهو يضر دينا ودنيا، ولا يضر المحسود دينا ولا دنيا، إذ لا تزول نعمة بحسد قط، وإلا، لم تبق نعمة لله على أحد، حتى الإيمان، لأن الكفار يحبون زواله عن أهله، بل المحسود منتفع بحسد الحاسد دينا، لأنه مظلوم من جهته، سيما أن أبرز حسده إلى الخارج بالغيبة، وهتك الستر، وغيرهما من أنواع الإيذاء، فهذه هدايا تهدى إليه حسناته بسببها، حتى يلقى الله يوم القيامة مفلسا محروما من النعم، كما حرم منها في الدنيا، فعلم أن هذا دواء عظيم للحسد، أعاذنا الله تعالى منه.
1 -قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ؛ اَلْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، فَهِيَ الْحَالِقَةُ، حَالِقَةُ الدِّيْنِ لَا حَالِقَةُ الشَّعْرِ، وَالَّذِيْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تَدْخُلُوْا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوْا، وَلَا تُؤْمِنُوْا حَتَّى تَحَابُّوْا، أَفَلَا أَدُلُّكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوْهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوْا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [أخرجه أحمد والترمذي] .
2 -وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اَلْغِلُّ وَالْحَسَدُ يَأْكُلَانِ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ»
3 -وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ مَنِّيْ ذُوْ حَسَدٍ وَلَا نَمِيْمَةٍ وَلَا كَهَانَةٍ وَلَا أَنَا مِنْهُ»
4 -وقال: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَتَحَاسَدُوْا»
5 -وقال: «لَا تُظْهِرْ اَلشَّمَاتَةَ لِأَخِيْكَ فَيُعَافِيْهِ اللهُ وَيَبْتَلِيْكَ»
6 -وفي الحديث: «كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُوْنَ كُفْرًا، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ»
7 -وفي حديث: «اِسْتَعِيْنُوْا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِيْ نِعْمَةٍ مُحْسُوْدٌ»
8 -وروي أن موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لما تعجل إلى ربه رأى في ظل العرش رجلا فغبطه بمكانه وقال: إن هذا الكريم على ربه، فسأل ربه أن يخبر باسمه فلم يخبره باسمه، وقال: أحدثك من عمله بثلاث: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه، وكان لا يمشي بالنميمة.