وقال بعض السلف: أول خطيئة عصى الله الله بها الحسد؛ حسد إبليس آدم أن يسجد له، فحمله الحسد على المعصية.
ووعظ بعض الأئمة بعض الأمراء فقال: إياك والكبر، فإنه أول ذنب عصى الله به، ثم قرأ: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَاِكَةِ: اسْجُدُوْا لِآدَمَ ... الآية} [] ، وإياك والحرص، فإنه أخرج آدم من الجنة؛ أسكنه الله جنة عرضها السماوات والأرض، يأكل منها إلا شجرة واحدة نهاه الله عنها، فمن حرصه أكل منها، فأخرجه الله من الجنة، ثم قرأ: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيْعًا ... الآية} [] ، وإياك والحسد، فإنه الذي حمل ابن آدم على أن قتل أخاه حين حسده، ثم قرأ: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْقَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ، قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ، قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِيْنَ} [] .
وقيل: كان السبب أيضا في قتله له أن زوجته أخت القاتل كانت أجمل من زوجة القاتل أخت المقتول، لأن حواء ولدت لآدم عشرين بطنا، في كل بطن اثنان؛ ذكر وأنثى، فكان آدم صلى الله عليه وسلم يُزَوِّج أنثى كل بطن لذكر بطن أخرى، لا لذكر بطنها، فلما رأى قابيل أن زوجة أخيه هابيل أجمل، حسده عليها حتى قتله.
وقال أبو الدرداء: ما أكثر عبد ذكر الموت إلا قل فرحه وقل حسده.
وقال بعضهم: الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلا، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا، ولا ينال من الخلق إلا جزعا وغما، ولا ينال عند النزع إلا شدة وهولا، ولا ينال عند الموقف إلا فضيحة وهوانا ونكالا.
وعن زكريا عليه السلام أنه قال: قال الله سبحانه وتعالى: الحاسد عدو لنعمتي، مسخط لقضائي، غير راض بقسمتي التي قسمتها بين عبادي.
ولبعضهم:
ألا قل لمن بات لي حاسدا ÷ أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في فعله ÷ إذا أنت لم ترض لي ما وهب
فجازاك منه بأن زادني ÷ وسد عليك وجوه الطلب
وقال غيره:
دع الحسد ودوما يلقاه من كمده ÷ كفاك منه لهيب النار في كبده
إن لمت ذا حسد نفست كربته ÷ وإن سكت فقد عذبته بيده
وللإمام الشافعي رضي الله عنه:
تذكرت في دهري رخاء وشدة ÷ وناديت في الأحياء هل من مساعد
فلم أر فيما ساءني غير شامت ÷ ولم أر فيما سرني غير حاسد
ومن الحكمة: الحسود لا يسود أبدا، والبخيل تأكل ماله العدا.
وقد يوضع الحسد موضع الغبطة، وهو محمود، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ» أي لا غبطة أعظم من الغبطة بهاتين الخصلتين.
حكاية:
كان بعض الصلحاء يجلس بجانب ملك ينصحه ويقول له: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء ستكفيك إساءته. فحسده بعض الجهلة على قربه من الملك، وأعمل الحيلة على قتله، فسعى به للملك، فقال: إنه يزعم أنك أبخر، وأمارة ذلك أنك إذا قربت منه يضع يده على أنفه لئلا يشم رائحة البخر، فقال له: انصرف حتى أنظر، فخرج، فدا الرجل لمنزله وأطعمه ثوما، فخرج الرجل من عنده، وجاء الملك وقال له مثل قوله السابق: أحسن إلى المحسن .. إلى آخره كعادته، فقال له الملك: ادن مني، فدنا منه، فوضع يده على فيه مخافة أن يشم الملك رائحة الثوم منه، فقال الملك في نفسه: ما أرى فلانا إلا قد صدق، وكان الملك لا يكتب بخطه إلا جائزة أوصله، فكتب له بخطه لبعض عماله: إذا ما أتاك صاحب كتابي هذا فاذبحه واسلخه، واحش جلده تبنا، وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب، وخرج، فلقيه الذي سعى به، فقال: ما هذا الكتاب؟ قال: خط الملك لي بصلة، قال: هبه مني، فقال: هو لك، فأخذه ومضى به إلى العامل، فقال له العامل: في كتابك إني أذبحك، وأسلخك، فقال: إن الكتاب ليس هو لي، الله، الله في أمري، حتى أراجع الملك، فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه، وسلخه، وحشى جلده تبنا، وبعث به، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله، فتعجب الملك، وقال: ما فعلت بالكتاب، قال: لقيني فلان، فاستوهبه مني، فدفعته له، فقال الملك: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر، قال: ما قلت ذلك، قال: فَلِمَ وضعتَ يدك على أنفك وفيك؟ قال: أطعمني ثوما، فكرهت أن تشمه، قال: صدقت، ارجع إلى مكانك، فقد كفى المسيء إساءته.
فتأملوا رحمكم الله تعالى شؤم الحسد وما جر إليه.
تعلموا سر قوله صلى الله عليه وسلم: لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه ويبتليك.