1 -عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُوْلُ فِيْ بَعْضِ خُطَبِهِ وَمَوَاعِظِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُشْغِلُكُمْ دُنْيَاكُمْ عَنْ آخِرَتِكُمْ، وَلَا تُؤْثِرُوْا أَهْوَاءَكُمْ عَلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا تَجْعَلُوْا أَيْمَانَكُمْ ذَرِيْعَةً إِلَى مَعَاصِيْكُمْ، وَحَاسِبُوْا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوْا، وَمَهِّدُوْا لَهَا قَبْلَ أَنْ تُعَذَّبُوْا، وَتَزَوَّدُوْا لِلرَّحِيْلِ قَبْلَ أَنْ تُزْعَجُوْا، فَإِنَّمَا هُوَ مَوْقِفُ عَدْلٍ، وَاقْتِضَاءُ حَقٍّ، وَسُؤَالُ عَنْ وَاجِبٍ، وَلَقَدْ أَبْلَغَ فِي الْإِعْذَارِ مَنْ تَقَدَّمَ فِي الْإِنْذَارِ» .
فانظروا يا إخواني إلى هذا الحديث ما أعظمه، واعملوا بما فيه، وخالفوا هواكم.
فقد قيل:
إن الهوى لهو الهوان بعينه ÷ فإذا هويت فقد لقيت هوانا.
وقال آخر:
نون الهوى من الهوان مسروقة ÷ فإذا هويت فقد لقيت هوانا
قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] .
وقد ذكر السري السقطي - رضي الله عنه - في قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا} أي على الدنيا، رجاء السلامة، {وَصَابِرُوا} على القتال في سبيل الله بالثبات والاستقامة، {وَرَابِطُوا} لهوى النفس اللوّامة، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} ما يعقب لكم من الندامة، {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] غدا على بساط الكرامة.
وفي كتاب الفرج بعد الشدة: أن راهبا اشتهر ببلاد مصر بالمكاشفة، فقال عالم من المسلمين: لا بد من قتله، خوفا على المسلمين أن يفتنهم، فقصده بسكين مسمومة، فلما طرق بابه قال: اطرح السكين يا عالم المسلمين، فطرحها، فدخل، فقال له: من أين لك نور لمكاشفة؟ قال: بمخالفة النفس، فقال: هل لك في الإسلام؟ قال: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، قال: ما حملك على ذلك؟ قال: عرضت الإسلام على نفسي فأبت، فخالفتها.
وحكي: أن عابدا من عباد بني إسرائيل راودته امرأة عن نفسه، فطلب منها ماء ليتطهر به، ثم صعد إلى موضع عال في القصر، ورمى نفسه إلى الأرض، فقيل لإبليس: هلا أغويته؟ فقال: ليس لي سلطان على من خالف هواه.
وقال المرعشي - رحمه الله - كنت في مركب، فكسر بنا، فوقعت أنا وامرأة على لوح، فعطشت المرأة، فسألت الله أن يسقيها، فنزلت علينا سلسلة فيها كوز ماء، فنظرت إلى رجل في الهواء، فقلت له: كيف جلست في الهواء؟ قال: تركت هواي لهواه، فأجلسني في الهواء.
وقال الشبلي - رحمه الله - لما قالت له الشجرة: يا شبلي، كن مثلي؛ يرموني بالأحجار، وأرميهم بالثمار، فقال لها: كيف مصيرك إلى النار؟ قالت: بميلي مع الهواء هكذا وهكذا.
2 -وقد جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ قَدِرَ عَلَى امْرَأَةٍ وَجَارِيَةٍ حَرَامًا، فَتَرَكَهَا مَخَافَةَ اللهِ، أَمَّنَهُ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ النَّارَ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» .
قال أبو زرعة: رأيت امرأة في الطريق، فقالت: هل لك في الأجر والثواب فتعود مريضا؟ قلت: نعم، قالت: ادخل داري، فدخلتها، فغلقت الأبواب، فعلمت مقصودها، فقلت: اللهم سود وجهها، فاسودّ في الحال، فتحيرت، وفتحت الأبواب، فلما خرجت من عندها قلت: اللهم ردّها كما كانت، فعادت بإذن الله تعالى.
وقيل: إن موسى - عليه السلام - قال: يا رب، خلقت الخلق، وربيتهم بنعمتك، ثم جعلتهم يوم القيامة في النار؟ فقال: يا موسى، ازرع زرعا، فزرعه، وحصده، ودرسه، فأوحى الله تعالى إليه: ما فعلت في زرعك؟ قال: رفعته، قال: هل تركت منه شيئا؟ قال: تركت ما لا خير فيه، قال: يا موسى، كذلك، أدخل النار من لا خير فيه.
نسأل الله العفو والعافية بمنّه وكرمه، آمين.
حكي أن بعض الصالحين كان يعمل الأطباق، فخرج يوما يبيعها، فرأته امرأة، فقالت: ادخل منزلي حتى أشتري منك، فدخل، فغلقت الأبواب، وطلبت منه الفاحشة، فقال: أريد ماء أتطهر به، فطلع إلى سطح الدار، ورمى نفسه، فأمر الله تعالى ملكا، فحمله على جناحه إلى الأرض سالما، فرجع إلى زوجته، فأخبرها بأمره، وكانا صائمين، فقالت: نطوي هذه الليلة ونحييها بالصلاة، شكرا لله تعالى على السلامة من المعصية، ولكن قد اعتاد الجيران أن يأخذوا نارا من التنور، فإن لم يروا نارا، ظنوا أنا في ضيق، فأوقدت التنور، فدخلت عجوز لتأخذوا نارا، فقالت: يا فلانة، أدركي الخبز الذي في التنور قبل أن يحترق، فجاءت، فوجدت فيه خبزا كثيرا، فأكلا، ثم قاما إلى العبادة، ودعوا الله تعالى أن يسوق لهما رزقا من غير عمل، فسقطت عليهما جوهرة من سقف البيت، ففرحا بذلك، فلما ناما، رأت المرأة في منامها الجنة، ومنابر أهل الطاعة على أحسن حال، ورأت منبر زوجها قد سقط منه