فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 118

ما ذكر في هذا الحديث جامع لجميع أحوال الشخص، إذ فيه بيان حال المبدأ، وهي خلقه، والمعاد، وهي السعادة والشقاوة، وما بينهما، وهو الأجل، وما يتصرف فيه، وهو الرزق، وفيه دلالة على أن التوبة هادمة لما سلف، وأن جميع الأمور بقضاء الله وقدره.

المكلفون على أربعة أقسام؛

-القسم الأول: قوم خلقهم الله تعالى لخدمته ولجنته، وهم الأنبياء والأولياء والمؤمنون والصالحون.

-والقسم الثاني: قوم خلقهم الله تعالى لجنته دون خدمته، وهم الذين عاشوا كفارا، ثم ختم لهم بالإيمان، أو فرطوا مدة حياتهم، وانهمكوا في العصيان، ثم تاب الله عليهم عند الخاتمة، فماتوا على حسن الخاتمة والتوبة والإحسان، كسحرة فرعون.

-والقسم الثالث: قوم خلقهم الله تعالى لا لخدمته و لجنته، وهم الكفار الذين يموتون على الكفر، حرموا في الدنيا نعيم الإيمان، وفي الآخرة يعذبون بالعذاب والهوان.

-والقسم الرابع: قوم خلقهم الله تعالى لخدمته دون جنته، وهم الذين كانوا عاملين بطاعة الله، ثم مكر بهم، فطردوا عن باب الله تعالى، وماتوا على الكفر، نسأل الله السلامة بِمَنِّه وكرمه.

واعلموا أن أشد ما يهيج خوف القلوب خوف السابقة والخاتمة، فإن العبد لا يدري: هل سبقت له في علم الله السعادة أو الشقاوة، والخاتمة تجري على ما جرت عليه السابقة، فمن سبقت له في علم الله السعادة، ختم له بخاتمة الإيمان، ومن سبقت له في علم الله تعالى الشقاوة ختم له بخاتمة الكفر والخذلان، والعياذ بالله. وأكثر ما يمكر عند الموت بأرباب البدع وأصحاب الآفات الباطنة والظلمة والمجاهرين بالمعاصي، فمن كان في ظاهره الصلاح، ومكر به، فالآفات باطنية.

ذكر أن فتى من أصحاب الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى مات، فرآه الفضيل بن عياض في المنام، فسأله عن حاله، فأخبره أن الله مكر به ومات يهوديا - والعياذ بالله تعالى - فقال له: لِمَ ذلك؟ فقال: إني كنت أظن أني أفضل أصحابك، فكنت أتكبر عليهم، وكانت بي علة باطنة، فوصف لي شرب الخمر، فكنت أشرب قدحا في كل سنة.

وقال سهل بن عبد الله: خوف الصديقين خوف سوء الخاتمة عند كل خطرة، وكل حركة.

وكان سفيان الثوري كثير البكاء والجزع، فقيل له: يا أبا عبد الله، عليك بالرجاء، فإن عفو الله أعظم من ذنوبك، فقال: أو على ذنوبي أبكي؟! لو علمت أني أموت على التوحيد، لم أبالِ بأمثال الجبال من الخطايا.

ومرض بعض العارفين، فقال لبعض إخوانه: اقعدوا عند رأسي حتى أموت، فإذا مِتُّ على الإسلام، فاشتر بجميع ما أملكه لوا وسكرا، وفَرِّقْهُ على صبيان البلد، وقل: هذا عرس فلان، وإن لم يكن كذلك، فأَعْلِم الناس، حتى لا يغتروا بجنازتي، فقعد عند رأسه حتى مات على الإيمان، فاشترى لوزا وسكرا، وفَرَّقَه على سبيان البلد.

هذا كان خائفا فَسَلِمَ، ومن لم يخف من سلب الإيمان فهو على خطر.

وكان حبيب العجمي يقول: من ختم له بلا إله إلا الله دخل الجنة، ثم يبكي ويقول: من لي بأن يختم لي بلا إله إلا الله؟!

وقال الحسن البصري رحمه الله تعالى: دخل بعض الفقراء إلى بلاد الروم، فرأى جارية، فافتتن بها، فخطبها، فأبوا أن يزوجوه بها حتى يتنصر، فأجابهم إلى ذلك، فأحضروا له القسيسين وتنصر، فخرجت الجارية وبصقت في وجهه وقالت: ويحك، تركت دين الحق لشهوة، فكيف لا أترك أنا دين الباطل لنعيم الأبد؟! أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.

وأختتم مجلسنا هذا بقصة برصيصا العابد، ففيها أعظم عبرة.

حكي أنه كان له ستون ألفا من التلامذة، وكانوا يمشون في الهواء ببركته، فمات كافرا نعوذ بالله من ذلك. وكان يعبد الله تعالى حتى تعجبت الملائكة من عبادته، فقال الله تعالى لهم: لماذا تتعجبون منه؟! إني أعلم ما لا تعلمون، في علمي أنه يكفر ويدخل النار أبد الآبدين، فسمع ذلك إبليس، وعلم أن هلاكه على يده، فجاء إلى صومعته على شبه عابد قد لبس المسح، فناداه، فقال له برصيصا: من أنت؟ وما تريد؟ فقال: أنا عابد، أكون عونا لك على عبادة الله تعالى. فقال له برصيصا: من أراد عبادة الله تعالى فإن الله يكفيه صاحبا.

فقام إبليس لعنه الله يعبد الله ثلاثة أيام لَمْ يَنَمْ ولم يأكل ولم يشرب.

فقال برصيصا: أنا أفطر، وأنام، وآكل، وأشرب، وأنت لا تأكل؟! وإني عبدت الله تعالى مائتين وعشرين سنة ولا أقدر على ترك الأكل والشرب، فما حيلتي حتى أصير مثلك؟

قال: اذهب فاعص الله تعالى، ثم تب، فإنه رحيم، حتى تجد حلاوة الطاعة.

قال: كيف أعصيه بعد أن عبدته كذا وكذا سنة؟!

فقال إبليس: الإنسان إذا أذنب يحتاج إلى المعذرة والمغفرة.

فقال: فأي ذنب تشير عليّ.

قال: الزنا.

قال: لا أفعل.

قال: تقتل مؤمنا.

قال: لا أفعل.

قال: تشرب مسكرا.

قال: فإنه أهون، وخصمك الله وحده.

قال: أين أجده؟

قال: اذهب إلى قرية كذا.

فذهب، فرأى امرأة جميلة، فاشترى منها الخمر، فشرب وسكر، وزنى بها، فدخل عليه زوجها، فقتله، ثم إن إبليس تمثل في صورة إنسان، وسعى به إلى السلطان، فأخذه، وجلده للخمر ثمانين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت