ومن جملة ما هو مكتوب فيه أنك أن كنت تطلع من عند الله فاطلع، وإن كنت تطلع من عند نفسك فلا حاجة لنا بك، فطلع، ولم تلق فيه بعد ذلك امرأة.
ومنها: ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما أيضا كانت تأتي نار كل عام إلى المدينة الشريفة، فشكا المسلمون ذلك لسيدنا عمر، فقال لغلامه: خذ هذا الرداء، فإذا جاءت النار، فأفرده في وجهك، وقل: يا نار، هذا رداء عمر بن الخطاب، فهي ترجع لوقتها، فلما جاءت النار، ضجت المسلمون، فأخذ الغلام الرداء، وخرج به إلى ظاهر المدينة، وفرده على وجهه كما أمره سيده، وقال: يا نار، ارجعي، هذا رداء عمر بن الخطاب، فرجعت في الحال، ولم تعد.
ومناقبه لا تحصى، وفضائله لا تستقصى، رضي الله عنه.
(قَالَ سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ) أي سمعت كلامه، لأن الذات لا تسمع.
(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) قال جماهير العلماء: لفظ (إنما) موضوعة للحصر، تثبت المذكور، وتنفي ما سواه. فتقدير الحديث: إن الأعمال إنما تحسب إذا كانت بنية، ولا تحسب إذا كانت بغير نية، فلا عمل إلا بالنية.
فقوله (إِنَّمَا اْلأَعْمَالُ) أي الشرعية البدنية، أقوالها وأفعالها، الصادرة من المؤمنين.
(بِالنِّيَّاتِ) جمع النية، وإن كانت مصدرا قصد للتنويع، إذ المصدر لا يجمع إلا باعتبار الأنواع.
وهنا، لما قابلت الأعمال، وكان كل عمل له نية، جمعت باعتبار عمل العاملين، ومقاصد الناوين.
ومعناها لغة القصد.
وشرعا: قصد الشيء مقترنا بفعله، فإن تراخى عنه سمي عزما.
والكلام على أحكامها مبسوط في كتب الفقه.
ثم اعلم أن الحصر فيما ذكر أكثري، لا كلي، إذ قد يصح العمل بلا نية، كالأذان، والقراءة، كما يصح ترك العمل بدونها، كترك الزنا، وإن افتقر حصول الثواب فيه إلى النية، بأن يقصد بترك الزنا امتثال الشرع، وإزالة النجاسة من قبيل الترك.
وللعلماء في هذا المحلّ كلام طويل، وإنما غرضنا الفائدة والتقريب للإفهام.
قوله صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) أي جزاؤه، إن خيرا فخير، وإن شرا فَشَرٌّ، فَنِيَةُ المؤمن خير من عمله.
وإخلاص النية لله تعالى لم يزل شرعا عاما لمن قبلنا، ثم لنا من بعدهم. قال الله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا .. } [] .
قال أبو العالية: وصاهم بالإخلاص لله تعالى، وعبادته لا شريك له.
وينبغي لمن أراد فعل شيء من الطاعات أن يستحضر النية، فينوي به وجه الله تعالى. فالنية رأس المال كلها، وهي الأساس، وعلى الأساس قواعد البنيان، فمن فتح على نفسه باب حسنة، فتح الله عليه سبعين بابا إلى التوفيق، ومن فتح على نفسه باب سيئة، فتح الله عليه سبعين بابا إلى الخذلان، فباب الحسنة من حسن النية، وباب السيئة من سوء النية، فإذا نوى العبد خيرا أثيب عليه وإن لم يفعله، كما في مسند أبي يعلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى للحفظة يوم القيامة: اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: يا ربنا، لم نحفظ ذلك منه، ولا هو في صحيفته فيقول الله تعالى: إنه نواه.
وحكي عن أخوين، كان أحدهما عابدا، والآخر مسرفا على نفسه، وكان العابد يتمنى أن يرى إبليس، قال: فظهر له إبليس يوما، وقال له: وآسفاه عليك، صيعت من عمرك أربعين سنة في حصر نفسك، وإتعاب بدنك، وقد بقي من عمرك مثل ما مضى، فأطلق نفسك في شهواتها، فقال العابد في نفسه: لعلي أنزل إلى أخي في أسفل الدار، وأوافقه على الأكل والشرب واللذات عشرين سنة، ثم أتوب، وأعبد الله في العشرين التي تبقى من عمري، فنزل على نية ذلك، وأما أخوه المسرف فإنه استيقظ من سكره، فوجد نفسه في حالة رديئة قد بال على ثيابه وهو مطروح على التراب، وفي الظلام، فقال في نفسه: قد أفنيت عمري في المعاصي، وأخي يتلذذ بطاعة الله تعالى ومناجاته فيدخل الجنة بطاعة ربه، وأنا بالمعاصي أدخل النار، ثم عقد التوبة، ونوى الخير والعبادة، وطلع يوافق أخاه على عبادة الله تعالى، فطلع على نية الطاعة، ونزل أخوه على نية المعصية، فزلّت رجله فسقط على أخيه فوقعا مَيِّتَيْنِ، فحشر العابد على نية المعصية، وحشر العاصي على نية التوبة والطاعة، فينبغي للعبد أن يحسن نيته.
وقد حكي أيضا أن العبد يؤتى به يوم القيامة، ومعه حسنات كأمثال الجبال، فينادي منادٍ: من كان له عند فلان حق فليأت له، وليأخذ حقه منه، فيأتي الناس، فيأخذون حسناته حتى لم يبق له حسنة، فيصير حيران، فيقول الله تعالى له: عبدي، إن لك عندي كنزًا لم يطلع عليه أحد من خلقي، فيقول: يا رب، وما هو؟ فيقول: نيتك التي كنت تنوي بها الخير، كتبتها لك عندي سبعين ضعفا.
وحكي أيضا أنه يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيدفع له كتاب، فيأخذه بيمينه، فيجد فيه حجا وجهادا وصدقة ما فعلها، فيقول: يا رب، ليس هذا كتابي، فإني ما فعلت شيئا من ذلك، فيقول الله تعالى: هذا كتابك، لأنك عشت عمرا