فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 118

جوهرة، فلما استيقظت أخبرته وقالت: ادع الله أن يرد الجوهر مكانها، فطارت في الحال.

وفي رواية أنه قال: اللهم ارزقني رزقا يغنيني عن بيع الأطباق، فنزل جراد من ذهب، فقال: اللهم إن كان من الدنيا فبارك لي فيه، وإن كان نصيبي من الآخرة فلا حاجة لي به، فارتفع الجراد بإذن الله تعالى.

اللهم وفقنا لما يرضيك عنا يا رب العالمين.

الحمد لله الذي انفرد بأسمائه العظمى، المختص بالرحمة والجبروت والملك الأعز الأحمى، المتفضل بالعفو والمغفرة على عباده المذنبين فلم يؤاخذهم بتخيل ولا وهما، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القدوس الذي وسع كل شيء رحمة وعلما، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله المرسول إلى الناس كافة عربا وعجما، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فازوا في الفردوس الأسمى.

عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُوْلُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: {يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِيْ وَرَجَوْتَنِيْ غَفَرْتُ لَكَ مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِيْ، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوْبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِيْ، غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِيْ بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ أَتَيْتَنِيْ لَا تُشْرِكُ بِيْ شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً} » (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن) .

اعلموا إخواني - وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم، وهو من الأحاديث القدسية، وليس له حكم القرآن، لعدم تواتره، مكما في نظائره السابقة.

قوله: (يَا ابْنَ آدَمَ) نداء لم يُرَدْ به واحد بعينه، عدل إليه ليعمّ كل من يتأتى نداؤه. وآدم: عربي مشتق من الأدمة، وهي حمرة تميل إلى السواد، أو من أديم الأرض،

1 -كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «خُلِقَ آدَمُ مِنْ أَدِيْمِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ، مِنْهُمُ الْأَبْيَضُ، وَالْأَسْوَدُ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزَنُ، وَالطَّيِّبُ وَالْخَبِيْثُ» .

وقيل: أعجمي لا اشتقاق له.

قوله: (إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِيْ وَرَجَوْتَنِيْ) أي إنك مدة دعائك إياي بما ينفعك، ومدة تأميلك إياي خير ما عندي.

قوله: (غَفَرْتُ لَكَ) أي سترت ذنوبك، فلا أظهرها بالعقاب عليها.

قوله: (مَا كَانَ مِنْكَ) أي من الذنوب على تكرار معصيتك الشرك بالإيمان، وغير الشرك بالاستغفار.

قوله: (وَلَا أُبَالِيْ) أي بما كان منك من الذنوب، عظم أو لم يعظم، لأن الدعاء مخ العبادة،

2 -وقد جاء: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّيْنَ فِي الدُّعَاءِ» (1) .

3 -والرجاء يتضمن حسن الظن بالله تعالى، وهو يقول: « {أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِيْ بِيْ} » .

وعند ذلك تتوجه رحمة الله تعالى على العبد، وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء، لأنها {وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً ... } [غافر: 7] ، كما قال الله تعالى: {وَرَحْمَتِيْ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] .

قوله: (يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوْبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ) بفتح العين المهملة، قيل: هو السحاب. وقيل: عنان السماء: صفائحها وما اعترض من أقطارها. وقيل: هو ما عنّ لك منها، أي ظهر إذا رفعت رأسك، والمعنى: لو قدرت ذنوبك أشخاصا، فملأت الأرض والفضاء، حتى وصلت السماء، ثم استغفرتَني، غفرتُ لك إياها، وذلك لأن الله تعالى كريم، والاستغفار: استقالة، والكريم يقبل العثرات ويغفر الزلات، وهذا مثال للتناهي في الكثرة، وكرم الله تعالى لا يتناهى.

وحقيقة الاستغفار: اللهم اغفر لي. ويقوم مقامه: أستغفر الله، لأنه خبر بمعنى الطلب.

قوله: (يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِيْ بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا) بضم القاف وكسرها، لغتان، والضم أشهر، ومعناه: ما يقارب ملءها. وقيل: علوّها.

قوله: (ثُمَّ أَتَيْتَنِيْ لَا تُشْرِكُ بِيْ شَيْئًا) أي متَّ معتقدا توحيدي أي مصدقا بما جاءت به رسلي.

قوله: (لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً) أي لغفرتُها لك.

وهذا الحديث يدل على سعة رحمة الله تعالى وكرمه وجوده.

وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53] ،

4 -سبب نزولها أن قوما قالوا: يا رسول الله، هل يغفر لنا إذا أسلمنا على ما كان منا من الكفر والقتل وغيره؟ فنزلت: {قُلْ يَاعِبَادِيَ} .

5 -لما نزلت قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَا أُحِبُّ أَنْ تَكُوْنَ لِي الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا بِهَذِهِ الْآيَةِ» .

قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه: هي أرجى آية في القرآن. وقيل: غير ذلك.

وقد ذم الله تعالى من انقطع رجاؤه من فضل الله، فقال تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] ، والرجاء: حسن الظن بالله تعالى في قبول طاعة وُفِّقْتَ لها، أو مغفرة سيئة تبتَ منها.

وأما الطمأنينة مع ترك الطاعات والإصرار على المخالفات فأمنٌ وغرور.

وقد نهى الله تعالى عنه بقوله: {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [لقمان: 33] ، [فاطر: 5] ، يعني الشيطان وجنوده، فإنه يحسن لك المعاصي، وربما يحرك إلى ذلك برجاء عفو الله وكرمه.

(1) أخرجه: العقيلي في"الضعفاء"4/ 452، وابن أبي حاتم في"العلل"2/ 199، وابن عدي في"الكامل"8/ 500، والقضاعي في"مسند الشهاب" (1069) عن عائشة مرفوعًا. ونص الحديث: (( إن الله - تبارك وتعالى - يحب الملحين في الدعاء ) )، وهو حديث باطل لا يصح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت