فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 118

وإن أظهروا لم يظهروا غير وصفهم ÷ وإن ستروا فالستر من أجلهم يحلو

قوله: (إِنِّيْ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ) هو وضع الشيء في غير محلّه (عَلَى نَفْسِيْ) وذلك لاستحالته عليه تعالى، إذ هو التصرف في حق الغير بغير حق، أو مجاوزة الحد، وكلاهما محال عليه، إذ لا ملك ولا حق لأحد معه، بل هو الذي خلق المالكين وأملاكهم، وتفضل عليهم بها، وحدّ لهم الحدود وحرم وأحلّ، فلا حاكم يتعقبه، ولا حق يترتب عليه. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] .

قوله: (وَجَعْلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا) أي حكمت عليكم بتحريمه، وهذا مجمع عليه في كل ملة لاتفاق سائر الملل على مراعاة حفظ النفس والأنساب والأعراض والعقول والأموال، والظلم قد يقع في هذه كلها أو بعضها.

وأعلاه الشرك. قال تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] وهو المراد بالظلم في أكثر الآيات. قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] .

ثم تلتْه المعاصي على اختلاف أنواعها. وروى الشيخان: «اَلظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

وروي أيضا: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِيْ لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] .

وروي أيضا: «مَنْ كَانَتْ فِيْهِ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيْهِ فَلْيَسْتَحِلَّهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِيْنَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيْهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيْهِ وَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» .

وقال - صلى الله عليه وسلم: «اِتَّقُوْا دَعْوَةَ الْمَظْلُوْمِ فَإِنَّهَا مُسْتَجَابَةٌ»

حكاية: وغار بعض الملوك على قرية، فنهبها، وأخذ أموال أهلها ومواشيهم ودوابهم، وفتك فيهم، فخرجت عجوز من بعض الدور، فنظرت إليه وقالت: يا ويلك من ديّان يوم الدين إذا انشقت سماء عن سماء، وبرز الرب لفصل القضاء، فقال لها: يا عجوز، أما سمعت في القرآن: {إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} [النمل: 34] فقالت له: يا هذا، أنسيت الآية الأخرى التي بعدها في السورة: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} [النمل: 52] فقال الملك: ردوا عليهم جميع مالهم، فرَدَّوه، ثم قال: يا عجوز: كيف الخلاص؟ قالت: لا تقنط، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده.

اعلم أن الإيمان والعبادة لا يتم المقصود منها إلا بسلامة الأنفس والعقول والأموال التي هي القوام، فحرم الله تعالى قتل المؤمن والمعاهد بغير حق، فإن القتل إبطال المقصود بقتل الوجود، ثم يليه الضرب والجرح وقطع الأطراف، فإنه يفضي إلى القتل، وشرع قتل الكافر المحارب، لأن في قتله رفع ضرر عن المؤمنين، وشرع قتل الزاني المحصن زجرا عن هذه المفسدة، وشرع قتل القاتل عمدا بالقصاص زجرا عن القتل، فكان في القتل قصاصا تقليل القتل، وهو معنى قوله عزّ وجلّ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] ، وحرم اللواط لئلا يقع الاكتفاء به فيقطع النسل، فيكون به رفع الوجود، وهو قريب من قطع الموجود، وحرم الزنا لئلا تختلط الأنساب فينقطع التعارف والتناصر والوصلة والميراث وتكثر الغيرة بين الرجال فيقع القتل والهرج.

وأما الأموال فحرم الله تناولها بغير حق مصلحة للناس، لكن بعض الصور فيها أعظم من بعض، فإن ما ظهر منها أمكن تداركه وامتصاؤه بالسلطان أو باليد، وربما أمكن التحرز منه بأن يحفظ الإنسان ماله، فأما ما كان باختفاء أو تسلط فهو أعظم، كالسرقة، فإنه يعسر التحرز منها، ولا تعرف، فلا يمكن استيفاؤها، وأكل مال اليتيم إذا أكله من يلي عليه. كذلك وإتلاف المال بشهادة الزور، وأكل المال باليمين الكاذبة عند الحاكم، وأكل الربا والقمار، وقريب من هذا فإنه أكل مال مسلم بحجة باطلة لا يمكن معها الاستيفاء، ثم يليه الغضب، والخيانة في الوديعة ونحو ذلك.

وأما الأعراض فحرم الخوض فيها لئلا يؤدي إلى التقاطع والتدابر، وربما أدى إلى القتل، وحرم شرب كل مسكر، فإن فيه إفساد العقل، وهو شرط للتكليف، فصار كقطع الوجود في وقت السكر، فهذه مراتب الكبائر، وكلها ظلم، فلهذا قال: (فَلَا تَظَّالَمُوا) - بالتشديد، والأشهر: التخفيف - أي لا يظلم بعضكم بعضا، فإنه لا بد من اقتصاصه تعالى للمظلوم من ظالمه.

قوله: (يَا عِبَادِيْ كُلُّكُمْ ضَالٌّ) أي غافل عن الشرائع قبل إرسال الرسل (إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ) أي وفّقته للإيمان بما جاءت به الرسل (فَاسْتَهْدُوْنِيْ) اطلبوا مني الهداية، بمعنى الدلالة على طريق الحق، والإيصال إليها، معتقدين أنها لا تكون إلا من فضلي وبأمري (أَهْدِكُمْ) أي أنصبّ لكم أدلة ذلك الواضحة، والحكمة في أنه - سبحانه وتعالى - طلب منا سؤال الهداية إظهارا للافتقار والإذعان والإعلام بأنه لو هداه قبل أن يسأله لربما قال: إنما أوتيته على علم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت