فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 118

وَسَبْعِيْنَ مِلَّةً، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّتِيْ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ»، قَالُوْا: مَنْ هِيَ يَا رَسُوْلُ اللهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِيْ» .

8 -وروى مالك في الموطأ مرسلا أنه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «تَرَكْتُ فِيْكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ، وَسُنَّةَ رَسُوْلِهِ»

فعليكم - أيها الإخوان - بصحبة أهل السنة والجماعة، ولزوم طريقتهم، فإن ملتم عنها تشتت شملكم، وملتم عن طريق الله تعالى، كما قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] أي طريقه، أي فتميل بكم وتفرقكم طريق البدع عن طريق الحق.

والمراد بالسنة: طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة، ومن تبعهم على طريقهم في العقائد، والأعمال، والأقوال.

9 -وقد روى النسائي، والدارمي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: خَطَّ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: «هَذِهِ سَبِيْلُ اللهِ» ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوْطًا عَنْ يَمِيْنِهِ وَشِمَالِهِ وَقَالَ: «هَذِهِ سُبُلُ، عَلَى كُلِّ سَبِيْلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُوْ إِلَيْهِ» ، ثُمَّ قَرَأَ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ... الآية} [الأنعام: 153] .

وقال سهل التستري - رحمه الله: عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء به في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه وأذلوه وأهانوه.

وقال سهل أيضا: إنما ظهرت البدعة على يدي أهل السنة، لأنهم ظاهروهم وقاولوهم، فظهرت أقاويلهم، فشت في العامة، فسمعها من لم يكن يسمعها، ولو تركوهم ولم يكلموهم لمات كل واحد منهم على ما في صدره، ولم يظهر منه شيئا، وحمله إلى قبره، فجانبوا - يا إخواننا - أهل البدعة، وفرّوا منهم فراركم من الأسد، واحذروا من مجالسة الغافلين المبتدعين التاركين للسنة، ولهم علامات كثيرة:

-من أعظمها عدم الاستواء في الصلاة، فصلاتهم معوجّة، لعدم التساوي في الصف، وكثيرة الفرج والخلل، وتقدم الرجل وتأخرها، وكذا الصدر.

-ومنها: الاستهزاء بعبادة الله الصالحين، والذاكرين، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر.

-ومن بدعهم: إهمال الذكر والقرآن والاشتغال بالجدال والغيبة والهذيان.

قال سفيان الثوري: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها.

وقال الفضيل بن عياض - رحمه الله: من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه.

10 -وفي السنن مرفوعا: «اللهَ، اللهَ فِيْ أًصْحَابِيْ، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِيْ، فَمَنْ أَحَبَّنِيْ فَبِحُبِّيْ أُحِبُّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِيْ أُبْغِضُهُمْ، وَمَن آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِيْ، وَمَنْ آذَانِيْ فَقَدْ آذَى اللهَ، وَمَنْ آذَى اللهَ فَيُوْشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ» .

وقال سيدي عبد القادر الجيلاني - قدس الله سرّه - في كتاب (الغنية) : فعلى المؤمن اتباع السنة والجماعة، فالسنة ما سنّه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والجماعة: ما اتفق عليه أصحابه - رضي الله عنهم أجمعين - في خلافة الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين المهديين - رضي الله عنهم أجمعين - وأن لا يكاثر أهل البدع، ولا يدانيهم، ولا يسلم عليهم، لأن الإمام أحمد قال: من سلّم على صاحب بدعة فقد أحبّه،

11 -لقوله - صلى الله عليه وسلم: «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ تَحَابُّوا» ،

ولا يجالسهم، ولا يعزّيهم، ولا يهنّئهم في الأعياد، وأوقات السرور، ولا يصلى عليهم إذا ماتوا، ولا يترحم عليهم إذا ذكروا، بل يباينهم ويعاديهم في الله عزّ وجلّ، معتقدا محتسبا بذلك الثواب الجزيل والأجر الكثير.

12 -وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ نَظَرَ إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ بُغْضًا لَهُ فِي اللهِ مُلِئَ قَلْبُهُ أَمْنًا وَإِيْمَانًا، وَمَنْ انْتَهَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَمَّنَهُ اللهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَمَنِ اسْتَحْقَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ رَفَعَهُ اللهُ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، وَمَنْ لَقِيَهُ بِالْبِشْرِ أَوْ بِمَا يَسُرُّهُ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ... ثم ذكر أشياء» .

وقال: راويا عن الفضيل وإذا علم الله من رجل أنه مبغض لصاحب بدعة: رجوت أن يغفر له وإن قلّ عمله، وإذا رأيت مبتدعا في الطريق فخذ طريقا آخر.

13 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صِرْفًا وَلَا عِدْلًا» - يعني بالصرف: الفريضة، وبالعدل: النافلة.

14 -وعنه - صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اقْتَدَى بِيْ فَهُوَ مِنِّيْ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّي» .

من أعظم سننه - صلى الله عليه وسلم - طهارة القلوب من الغش، والحسد، وسائر العيوب، وهي من أعظم العبادات والقربات، وبها ينال أرفع الدرجات، والدليل عليه:

15 -ما رواه الترمذي أنه قال - صلى الله عليه وسلم - لِأَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «يَا بُنَيَّ إِنْ قَدِرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَ فِيْ قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ» ، ثُمَّ قَالَ: «يَا بُنَيَّ، وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِيْ، وَمَنْ أَحَبَّ سُنَّتِيْ فَقَدْ أَحَبَّنِيْ، وَمَنْ أَحَبَّنِيْ كَاَن مَعِيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ»

أماتنا الله وإياكم على سنته، آمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت