فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 118

والثالثة: أن يتنزه عما يشغل سرّه عن الحق تعالى. وهذه هي التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] . وقال ابن عمر: التقوى أن لا ترى نفسك خيرا من أحد. وقد بين الله تعالى أن التقوى خيرل لباس، فقال: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] .

وقيل:

إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى ÷ تجرد عريانا ولو كان كاسيا

فخير خصال المرء طاعة ربه ÷ ولا خير فيمن كان لله عاصيا

قيل لبعض الصالحين عند موته: أوصنا. قال: عليكم بآخر آية من سورة النحل: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] .

4 -وجاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أَوْصِنِيْ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، فَإِنَّهَا جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ، فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِيْنَ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ، فَإِنَّهُ نُوْرٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ وَذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَاخْزَنْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ» .

وقد ذكرت هذا في غير هذا المجلس، ومرادي الفائدة ولو مع التكرار، لأن الشيء كلما كرر حلا، وقد اتفقت الأمة على فضيلة التقوى وطلبها، حتى قال قائلهم:

ولا تمش إلا مع رجال قلوبهم ÷ نحن إلى التقوى وترتاح للذكرى

لأن العيش الطيب إنما يكون مع الحياة، والحياة بزوال الغفلة، وزوالها بدوام اليقظة لما خلق له.

قوله: (وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) جمع بينهما تأكيدا للاعتناء بهذا المقام، وهو من عطف الخاص على العام.

قوله: (وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ) أي على سبيل الفرض والتقدير، إذ العبد لا يكون واليا، ولكن الشارع - صلى الله عليه وسلم - ضرب المثل تقديرا وإن لم يمكن، كقوله - صلى الله عليه وسلم:

5 - «مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مَفْحَصَ قَطَاةٍ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ولا يمكن أن يكون مفحص القطاة مسجدا، ولكن الأمثال يأتي فيها مثل هذا.

ويجوز أن يكون أخبر عن فساد الزمان حتى يوضع الأمر في غير أهله، كالعبد، فإذا كان فاسمعوا وأطيعوا، تغليبا لأهون الضررين وهو الصبر على ولاية من لا تجوز ولايته، لئلا يؤدي عدم الطاعة إلى فتنة عمياء صماء لا دواء لها ولا خلاص، منها هذا.

ومن المعلوم أن السمع والطاعة إنما هما في طاعة الله تعالى، كما دلت عليه الأخبار الكثيرة.

قوله: (وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اِخْتِلَافًا كَثِيْرًا) هذا من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - إذ كان عالما بما يقع بعده جملة وتفصيلا، لما صحّ أنه كشف له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم.

قوله: (فَعَلَيْكُمْ) أي الزموا حينئذ التمسك (بِسُنَّتِيْ) أي طريقتي القويمة التي أنا عليها من الأحكام الاعتقادية، والعملية الواجبة والمندوبة (وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ اَلْمَهْدِيِّيْنَ) وهو أبو بكر، فعمر، فعثمان، فعلي، فالحسن - رضي الله عنهم -

ومن هنا قال بعض العلماء: يقدم ما أجمع عليه الأربعة، ثم ما أجمع عليه أبو بكر فعمر، وهذا في حق المقلد الصرف في تلك الأزمنة القريبة من زمن الصحابة.

أما في زماننا فقال بعض أئمتنا: لا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة: الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأحمد - رضوان الله عليهم أحمعين -

قوله: (عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) - بالمعجمة - جمع ناجذ، وهو آخر الأضراس الذي يدل نباته على الحلم من فوق وأسفل من كل الجانبين، فللإنسان أربع. وهذا كناية عن شدة التمسك بالسنة.

قوله: (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُوْرِ) أي باعدوا واحذروا الأخذ بالأمور المحدثة في الدين واتباع غير سنن الخلفاء الراشدين.

(فَإِنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) وهي لغة: ما كان مخترعا على غير مثال سابق.

وشرعا: ما أحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص أو العام، فإن الحق فيما جاء به الشرع، وليس بعد الحق إلا الضلال.

وتنقسم البدعة إلى أحكام خمسة:

1 -واجبة: كالاشتغال بالنحو والصرف ونحوهما.

2 -ومحرمة: كمذاهب سائر أهل البدعة المخالفة لأهل السنة.

3 -ومندوبة: كإحداث الربط والمدارس.

4 -ومكروهة: كزخرفة المساجد، وتزيين المصاحف.

5 -ومباحة: كالتوسعة في لذائذ المآكل والمشارب والملابس، وتوسيع الأكمام، والمصافحة عقب العصر والصبح.

وقد قدمنا ذلك.

6 -وليعلم أن الترمذي روى مرفوعا: «تَفَرَّقَتِ الْيَهُوْدُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ فِرْقَةً أَوْ اِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ، وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَفَرَّقَتْ أُمَّتِيْ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِيْنَ فِرْقَةً» .

7 -وروى هو أيضا: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِيْ كَمَا أَتَى عَلَى بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَّةً لَكَانَ فِيْ أُمَّتِيْ مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت