فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 118

وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أكيس الناس، فقال: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ اِسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ هُمُ الْأَكْيَاسُ، ذَهَبُوْا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ» .

وقال الحسن: فضح الموت الدنيا، فلم يترك لذي لبّ فرحا.

وكان عمر بن عبد العزيز لا لايذكر في مجلسه إلا الموت والآخرة والنار.

وقال سفيان الثوري: رأيت في مسجد الكوفة شيخا يقول: أنا منذ ثلاثين سنة في هذا المسجد أنتظر الموت أن ينزل بي، فلو أتاني ما أمرت بشيء، ولا نهيت عن شيء.

ومرض أعرابي فقيل له: إنك تموت، قال: إلى أين يذهب بي؟ قالوا: إلى الله. قال: فكيف أكره أن أذهب إلى من لا أرى الخير إلا منه.

هذا حال من كان متهيئا للموت، ولا يشتغل بالدنيا.

فأما من كان غافلا عن الآخرة حتى يأتيه الموت على غرة فإنما يجد لقدومه غمّا وحسرة.

قال وهب بن منبه: ركب ملك من الملوك يوما، فأعجبه ما هو فيه من زينة الدنيا وكثرة الغلمان والأعوان والملابس الحسان، فامتلأ تيها وكبرا، فبينما هو كذلك، إذ جاءه شخص رثّ الهيئة، فسلّم عليه، فلم يردّ عليه السلام، فأخذ بلجام فرسه، فقال له: أرسل اللجام، فلقد تعاطيت أمرا عظيما، فقال: إن لي إليك حاجة، أسرّها إليك، فأدنى إليه رأسه وسارّه وقال: أنا ملك الموت، فتغيّر لونه واضطرب لسانه، وقال: دعني حتى أرجع إلى أهلي وأودّعهم، فقال: لا، والله لا ترى أهلك أبدا، فقبض روحه، فوقع كأنه خشبة، ثم مضى ملك الموت - عليه السلام - فلقي عبدا مؤمنا يمشي في الطريق، فسلّم عليه، فردّ عليه السلام، فقال: إن لي إليك حاجة، وسارّه وقال: أنا ملك الموت، فقال: مرحبا وأهلا بمن طالت غيبته عني، والله، ما من غائب أحب إلى أن ألقاه منك، فقال ملك الموت: اقض حاجتك التي خرجت إليها، فقال: والله، ما من حاجة أحب إلي من لقاء الله عزّ وجلّ، قال: فاختر على أي حالة أقبض روحك فقد أمرت بذلك، فقال: دعني أصلي واقبض روحي في السجود، فصلى، فقبض روحه وهو ساجد.

حكي أن رجلا جمع مالا عظيما، ثم صنع يوما طعاما لأهله، وقعد على سرير وهم بين يديه يأكلون، وقد وضع رجلا على رجل وهو يقول لنفسه: تنعمي، فقد جمعت لك ما يكفيك، فبينما هو كذلك إذ أقبل ملك الموت في زيّ المسكين، فقرع الباب، فخرج إليه بعض الغلمان، فقالوا: ما حاجتك، فقال: ادعو لي سيدكم، فانتهروه وقالوا: مثلك يخرج إليه سيدنا، قال نعم، فجاؤوا فأخبروا سيدهم بذلك، فقال: هلا ضربتموه، فعاد فقرع الباب قرعا شديدا، فخرجوا إليه، فقال: أخبروا سيدكم أني ملك الموت، فلما سمعوه وقع على الجميع الذل، ودخل ملك الموت - عليه السلام - عليه، فأحضر أمواله ونظر إليها تحسرا وتأسفا وقال: لعنك الله من مال، أشغلتني عن عبادة ربي، فأنطق الله المال وقال: لِمَ تسبّني وقد كنت تدخل على الملوك بي، وتردّ المتقين، وقد كنت تنفقني في سبيل الشر، فلا أمتنع منك، ولو أنفقتني في سبيل الخير لنفعتك، ثم قبض ملك الموت روحه وانصرف.

فنسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا بِمَنِّه وفضله، ويوفقنا لما يحب ويرضى، ويبعدنا عن الشرك به، آمين، والحمد لله رب العالمين.

المجلس الحادي والأربعين: في الحديث الحادي والأربعين

الحمد لله الذي شرفنا بخاتم النبيين إذ كنا خير أمة أخرجت للعالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا آمين.

(عَنْ أَبِيْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُوْنَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» حديث حسن صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.

اعلموا إخواني - وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم نافع.

قوله - صلى الله عليه وسلم: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) أي لا يصدق في إيمانه.

قوله: (حَتَّى يَكُوْنَ هَوَاهُ) بالقصر، يعني: ما يحبه ويميل إليه. قوله: (تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ) أي من هذه الشريعة المطهرة الكاملة، فلا يؤمن حتى يميل طبعه وقلبه إلى ذلك، كما يكون في محبوباته الدنيوية التي جبلت النفوس على الميل إليها من غير مجاهدة واحتمال مشقة، فيهوى بقلبه ويميل بطبعه إلى ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الدين المشتمل على الإيمان والإحسان والنصح لله تعالى ولرسوله ولكتابه، وهي أمور جامعة لم يبق بعدها إلا تفاصيلها التي في ضمنها، فمن كان هواه تابعا لما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مؤمن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت