المجلس الحادي عشر: في الحديث الحادي عشر
الحمد لله على جميع النعم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث لخير الأمم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
(عَنْ) أبي محمد (اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بْنِ أَبِيْ طَالِبٍ) سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «حَفِظْتُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيْبُكَ» [رواه الترمذي، والنسائي. قال الترمذي: حديث حسن صحيح] .
اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته أن هذا الحديث حديث عظيم، ومعناه: اترك ما في حله شك إلى ما لا شك فيه، طلبا لبراءة دينك وعرضك.
ومعناه أيضا: راجع إلى معنى حديث: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ ... إلخ» .
فما ذكر هناك يذكر هنا، ويتمم به هذا المجلس، فيصير مجلسا مستقلا معدودا، وهذا لا يخفى على الحاذق.
وقوله (دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيْبُكَ) بفتح أولهما وضمه، والفتح أشهر وأفصح، والله أعلم.
الحمد لله الذي أحيا قلوب المؤمنين باتساع رحمته، وألهمهم من حسن التوسل ما يدفعون به عظيم أخذه وعقوبته، ووهب لهم من مطايا الحزن والبكاء ما يتوصلون به إلى منازل جنته ومغفرته ورحمته، فسبحانه مِنْ إله شرّفنا بملة التوحيد، وأرسل إلينا سيد الخلق والعبيد، وجعل صلاتنا عليه شفيعا لنا بين يديه، فمن أراد تكفير الخطايا والزلات، وبذل العطايا والصلات، والحلول في أعلى الدرجات، فليكثر من الصلاة على سيدنا محمد سيد الأحياء والأموات، طيبوا بالصلاة عليه مسالك أقوالكم، وزينوا بها رسائل أعمالكم، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحابته، واحشرنا والحاضرين في زمرته، آمين.
عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيْهِ» [حديث حسن رواه الترمذي وغيره]
اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته أن هذا الحديث حديث عظيم، وهو من الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، كما علم مما مرّ.
قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيْهِ) بفتح الياء، معناه: ما لا تتعلق عنايته به. والذي يعني الإنسان من الأمور: ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، وسلامته في معاده، وذلك يسير بالنسبة إلى ما لا يعنيه، فإن اقتصر الإنسان على ما يعنيه من الأمور، سلم من شر عظيم. والسلامة من الشر خير كثير.
ومن بعض كلام السلف: من علم أن كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه، ومن سأل عما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه.
قال ابن العربي: هذا الحديث فيه إشارة إلى ترك الفضول، لأن المرء لا يقدر أن يستقل باللازم، فكيف يتعداه إلى الفاضل.
وقال ابن عبد البر: كلامه صلى الله عليه وسلم هذا من الكلام الجامع للمعاني الكثيرة الجليلة في الألفاظ القليلة، وهو مما لم يقله أحد قبله، صلى الله عليه وسلم.
إلا أنه روي في صحف شيث وإبراهيم، على نبينا وعليهما وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة والسلام: من عد كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه.
قال الفاكهاني رحمه الله: هذا خاص بالكلام، وأما الحديث فهو أعم من الكلام، لأن مما لا يعنيه: التوسع في الدنيا، وطلب المناصب والرياسة، وحب المحمدة والثناء، وغير ذلك.
وقال بعض العلماء في هذا الحديث أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، فينبغي أن يحب لنفسه من حيث أنها نفس واحدة.
ومصداقه الحديث: «اَلْمُؤْمِنُوْنَ كالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى إِلَيْهِ سَائِرُ الْجَسَدِ» .
وقال بعضهم: المراد بهذا الحديث: كف الأذى والمكروه عن الناس، ويشبه معناه قول الأحنف بن قيس حين سئل: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من نفسي، قيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا كرهت شيئا من غيري لم أفعل بأحد مثله.
وذكر مالك في موطئه: قيل للقمان: ما بلغ بك ما ترى؟ يريدون: الفضل، قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني.
وروى أبو عبيدة عن الحسن قال: من علامة إعراض الله عن العبد: أن يجعل شغله فيما لا يعنيه.
ينبغي للإنسان أن ينشغل بما ينفعه من قراءة قرآن، واستغفار، وذكر، ونحوه، فإن الشيطان يرضى منه بتضييع عمره من غير فائدة، لعلمه بأن عمره جوهر نفيس كل نفس منه لا قيمة له، فإذا صرف الإنسان عمره في طاعة، سلم وغنم.