-ومنها: أن لا يخرج عن العادة خروجا بعيدا، لما فيه من سوء الأدب أيضا، لأن الله تعالى قد أجرى الأمور على العادة، فالدعاء بخرقها تحكم على القدرة. قال بعضهم: إلا أن يدعوه باسمه الأعظم، فيجوز، تأسيا بـ {الَّذِيْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [] ، إذ دعا بحضور عرش بلقيس، فأجيب.
-وفي الحديث أيضا الحث على الإنفاق من الحلال، والنهي عن الإنفاق من غيره، وأن المأكول والمشروب والملبوس ونحوهما ينبغي أن يكون حلالا لا شبهة فيه، وأن مريد الدعاء أولى بالاعتناء بذلك من غيره.
قال وهب بن منبه: بلغني أن موسى عليه السلام مَرَّ برجل قائم يدعو ويتضرع طويلا، وهو ينظر إليه، فقال موسى: يا رب، أما استجبتَ لعبدك، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى، إنه لو بكى حتى تَلِفَتْ نفسه، ورفع يده حتى بلغ عنان السماء ما استجبتُ له. قال: يا رب، لِمَ ذلك؟ قال: لأن في بطنه الحرام، وعلى ظهره الحرام، وفي بيته الحرام.
ومَرَّ إبراهيم بن أدهم بسوق البصرة، فاجتمع الناس إليه، وقالوا له: يا أبا إسحاق، ما لنا ندعو فلا يستجاب لنا. قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء؛
-الأول: عرفتم الله فلم تؤدوا حقه،
-والثاني: زعمتم أنكم تحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سننه،
-والثالث: قرأتم القرآن فلم تعملوا به،
-والرابع: أكلتم نعم الله ولم يؤدوا شكرها،
-والخامس: قلتم أن الشيطان عدوّ لكم ووافقتموه ولم تخالفوه،
-والسادس: قلتم أن الجنة حق ولم تعملوا لها،
والسابع: قلتم أن النار حق ولم تهربوا منها،
-والثامن: قلتم أن الموت حق ولم تستعدوا له،
-والتاسع: انتبهتم من النوم فاشتغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم،
-والعاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم.
واعلموا، إخواني أنه ورد في السنة أن «الدُّعَاءَ مُخُّ الْعِبَادَةِ» ، ووجهه أن الداعي إنما يدعو عند انقطاع الآمال عما سوى الله، فهو حقيقة التوحيد والإخلاص.
وورد أيضا أن «الدُّعَاءَ سِلاَحُ الْأَنْبِيَاءِ، وَنِعْمَ السَّلَاحُ» .
والأحاديث في فضل الدعاء كثيرة شهيرة.
في رسالة الإمام أبي القاسم القشيري رضي الله عنه قال: اختلف في أن الأفضل الدعاء أو السكوت؟
-فمنهم من قال: الدعاء عبادة، لحديث: «اَلدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» ، ولأن الدعاء إظهار الافتقار إلى الله تعالى.
وقالت طائفة: السكوت والجمود تحت جريان الحكم أتمّ والرضا بما سبق به القدر أولى.
وقال قوم: يكون صاحب دعاء بلسانه ورضا بقلبه ليأتي بالأمرين جميعا.
قال القشيري: والأولى أن يقال: الأوقات مختلفة؛ ففي بعض الأحوال الدعاء أفضل من السكوت، وهو الأدب، وفي بعض الأحوال: السكوت أفضل من الدعاء، وهو الأدب، وإنما يعرف ذلك بالوقت، فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء، فالدعاء أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت، فالسكوت أتم.
قال: ويصح أن يقال: ما كان للمسلمين فيه نصيب، أو لله سبحانه وتعالى فيه حق، فالدعاء أولى، لكونه عبادة، وإن كان لنفسك فيه حظ، فالسكوت أتم.
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ للهِ تَعَالَى مَلَكًا مُوَكَّلًا بِمَنْ يَقُوْلُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ، فَمَنْ قَالَهَا ثَلَاثًا قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: إِنَّ اللهَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ قَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكَ فَاسْأَلْ»
قال الغزالي رحمه الله تعالى: فإن قيل: فما فائدة الدعاء مع أن القضاء لا مردّ له؟
فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء.
وقد قيل:
سبحان من لا يخيب من قصده ÷ من قصد الله صادقا وجده
قد شمل الخلق فضل نعمته ÷ كل إلى فضله يمد يده
قال محمد بن خزيمة: لما مات أحمد بن حنبل رحمه الله رأيته في المنام، وهو يتبختر في الجنة، فقلت: أي مشية هذه؟ فقال: هذه مشية الخدام إلى دار السلام، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وتوّجني وألبسني نعلين من ذهب، وقال لي: يا أحمد، هذا بقولك: القرآن كلامي، ثم قال: يا أحمد، ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري، وكنت تدعو بها في دار الدنيا، فقلت: يا رب، كل شيء بقدرتك على كل شيء اغفر لي كل شيء، ولا تسألني عن شيء.
والدعوات كثيرة.
قال الجلال السيوطي رحمه الله في طبقات النحاة الصغرى له: رأيت بخط القاضي عز الدين بن جماعة، وجد بخط الشيخ محي الدين النووي ما نصه: ما قرأ أحد هذه الأبيات، ودعا الله تعالى عقبها بشيء إلا استجيب له، وهي هذه:
يَا مَنْ يَرَى مَا فِي الضَّمِيْرِ وَيَسْمَع ÷ أنت المعد لكل ما يتوقع
يا من يرجى للشدائد كلها ÷ يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول كن ÷ امتن، فإن الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسيلة ÷ فبالافتقار إليك فقري أدفع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة ÷ فلئن رددت فأي باب أقرع
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه ÷ إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن تقنط عاصيا ÷ الفضل أجزل والمواهب أوسع
وهذه الأبيات من كلام عبد الرحمن بن عبدالله بن أصبغ بن حبيش المالقي رحمه الله تعالى آمين