فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 118

فقال الفقيه: أفتعجبون من ذلك؟ وهذا أخف وأحب إلي من الغيبة، فإن صاحب الزنا إذا تاب تاب الله عليه، وصاحب الغيبة إذا تاب لم يتب الله عليه حتى يرضى عنه خصمه.

إخواني، نحن في زمان إذا اجتمع فيه جماعة قلما يتذاكرون فيه العلوم الدينية والحكم والمواعظ وأحوال الآخرة، بل أكثر حديثهم الغيبة والتملق والنفاق ومدح أنفسهم وجلسائهم بما ليس فيهم، وذكر أحوال الدنيا، والبحث عن أخبار أهلها، والتفحص عما لا يلزمهم ولا يعنيهم في دينهم، بل يضرهم. نسأل الله تعالى العفو عنا أجمعين، آمين.

المجلس السادس والثلاثون: في الحديث السادس والثلاثين

الحمد لله الكريم الحنان، يغفر لمن يشاء بفضله، ويعذب من يشاء بعدله، لا إله إلا هو ذو الجلال والإحسان، أشهد أن لا إله إلا الله، شهادة تنجي قائلها من عذاب النيران، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، نبي آخر الزمان - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا في كل وقت وأوان.

عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِيْ عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِيْ عَوْنِ أَخِيْهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيْقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِيْ بَيْتٍ مِنْ بُيُوْتِ اللهِ تَعَالَى يَتْلُوْنَ كِتَابَ اللهِ وَيَتَدَارَسُوْنَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِيْنَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» (رواه مسلم بهذا اللفظ) .

اعلموا إخواني - وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب.

قوله (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا) أي أزال وكشف. والكربة: هي ما أهمّ النفس. قوله (نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي مجازاةً ومكافأةً على ما فعله. وفي هذا وما يأتي ترغيب وحثٌّ على قضاء حوائج المسلمين وإعانتهم. والتنفيس يكون بالاستعانة على كشف المهمات من مال أو جاه أو غيرهما.

وقد جاء في قضاء حوائج المسلمين أحاديث كثيرة، منها:

قوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَضَى لِأَخِيْهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً فِي الدُّنْيَا قَضَى اللهُ لَهُ سَبْعِيْنَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الْآخِرَةِ، أَدْنَاهَا الْمَغْفِرَةُ» .

قوله (وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ) أي بأي نوع كان من أنواع التيسير. (يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) إذ المجازاة من جنس العمل.

وقد جاء في: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ تَجَاوَزَ عَنْهُ» أحاديث كثيرة؛

1 -منها ما جاء عن أبي هريرة، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُوْلُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» (أخرجاه في الصحيحين) .

2 -ومنها ما جاء عن أبي قتادة - رضي الله عنه - أَنَّهُ طَلَبَ غَرِيْمًا لَهُ فَتَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ، فَقَالَ: إِنِّيْ مُعْسِرٌ، قَالَ: فَإِنِّيْ سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُوْلُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعُ عَنْهُ» (رواه مسلم) .

3 -ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم: «حُوْسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوْجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوْسِرًا، فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوْا عَنِ الْمُعْسِرِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوْا عَنْهُ} » (رواه مسلم) .

4 -ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ رَجُلًا مَاتَ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ، فَقِيْلَ لَهُ: مَا كُنْتَ تَعْمَلُ؟ فَقَالَ: إِنِّيْ كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَكُنْتُ أُنْظِرُ مُعْسِرًا فَأَتَجَاوَزُ عَنْهُ فِي السَّكَّةِ أَوْ فِي النَّقْدَ، فَغُفِرَ لَهُ» (رواه مسلم) .

5 -ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللهُ فِيْ ظِلِّهِ» (رواه مسلم) .

6 -ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا كَانَ لَهُ فِيْ كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ، وَمَنْ أَنْظَرَهُ بَعْدَ حِلِّهِ كَانَ لَهُ مِثْلُهُ فِيْ كُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» .

قوله (وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) المراد بالستر ستر زلات ذوي المحرمات ونحوهم ممن ليس معروفا بالفساد والأذى.

1 -قال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

2 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى عَوْرَةَ أَخِيْهِ فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُوْدَةً» .

3 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيْهِ رَدَّ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

4 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ اِمْرَأً مُسْلِمًا فِيْ مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيْهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيْهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ فِيْ مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيْهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِيْ مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيْهِ مِنْ عِرْضِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت