وقد جاء في مدح الصدق وذم الكذب أخبار وآثار كثيرة شهيرة لا نطيل بذكرها.
وبالجملة، فالكذب حرام كله. وأما ما روي أن إبراهيم عليه السلام كذب ثلاث كذبات - كما هو مذكور في حديث الشفاعة - فالمراد: التعريض، وهو: اللفظ المشار به إلى جانب، والغرض إلى جانب آخر، لكن لما شابه الكذب في صورته سمي به.
وجاء في حديث الطبراني: «كُلُّ الْكَذِبِ يُكْتَبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ إِلَّا ثَلَاثٌ؛ اَلرَّجُلُ يَكْذِبُ فِي الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ، وَالرَّجُلُ يَكْذِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ فَيُرْضِيْهَا، وَالرَّجُلُ يَكْذِبُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيُصْلِحُ بَيْنَهُمَا»
وفي حديث الأوسط: «اَلْكَذِبُ كُلُّهُ إِثْمٌ إِلَّا مَا نَفَعَ بِهِ مُسْلِمًا أَوْ دَفَعَ بِهِ عَنْ دِيْنٍ» .
قوله (وَلَا يَحْقِرُهُ) بالحاء المهملة والقاف أي لا يستخفّ به، لأن الله تعالى أكرمه، ومن أكرمه الله تعالى لم تجز إهانته.
قوله (اَلتَّقْوَى هَهُنَا - وَيُشِيْرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ -) أي لأن الصدر محل القلب الذي هو بمنزلة الملك للجسد، إذا صلح صلح الجسد كله، كما مرّ في محله. وتكرار الإشارة للدلالة على عظم المشار إليه في الحقيقة، وهو القلب.
قوله (بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) أي يكفيه منه، وقوله (بِحَسْبِ) بإسكان السين، وفيه تحذير من الاحتقار. قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ... الآية} [الحجرات: 11] ، والسخرية: النظر إلى المسخور منه بعين النقص، فلا تحقر غيرك، عسى أن يكون عند الله خيرا منك وأفضل وأقرب. وقد احتقر إبليس اللعين آدم عليه السلام فباء بالخسران الأبدي، وفاز آدم بالعز الأبدي، وشتان ما بينهما، فلا تحتقر أحدا، ولو كان عبدك، فربما صار عزيزا، وصرت ذليلا فينتقم منك.
مفهوم الخبر أن الكافر يجوز احتقاره، إذ لا حرمة بالكفر وإهانته على الله، ومن يهن الله فما له من مكرم.
قوله (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) جعل هذه الثلاثة كل المسلم وحقيقته، لشدة اضطراره إليها، لأن الدم حياته، والمال مادة الدم، فهو مادة الحياة، والعرض قيام صورته المعنوية، واقتصر على هذه الثلاثة لأن ما سواها فرع راجع إليها، لأنه إذا قامت البدنية والمعنوية فلا حاجة إلى غير ذلك.
خاتمة المجلس: في ذكر شيء من ذم الغيبة
قال الله تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ... الآية} [الحجرات: 12] .
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَارْتَفَعَتْ رِيْحُ جِيْفَةٍ مُنْتِنَةٍ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَتَدْرُوْنَ مَا هَذِهِ الرِّيْحُ؟» ، قَالُوْا: لاَ يَا رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «هَذِهِ رِيْحُ الَّذِيْنَ يَغْتَابُوْنَ النَّاسَ» .
وعن جابر أيضا قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَالْغِيْبَةَ، فَإِنَّهَا أَشَدُّ مِنَ الزِنَا» ، قَالُوْا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، وَكَيْفَ الْغِيْبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا؟ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَزْنِيْ ثُمَّ يَتُوْبُ، فَيَتُوْبُ اللهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيْبَةِ لاَ يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَ لَهُ صَاحِبُهَا»
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَكَلَ لَحْمَ أَخِيْهِ فِي الدُّنْيَا قُدِّمَ إِلَيْهِ لَحْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: كُلْهُ مَيِّتًا كَمَا أَكَلْتَهُ حَيًّا، فَيَاْكُلُهُ، وَيُكْلِحُ، ثُمَّ يَصِيْحُ، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [الحجرات: 12] » .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اَلْغِيْبَةُ لَهَا لَذَّةٌ فِي الدُّنْيَا، وَفِي الْآخِرَةِ تُوْرِدُ صَاحِبَهَا اَلنَّارَ» .
وعن عكرمة أن امرأة قصيرة دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خرجت قالت عائشة رضي الله عنها: مَا أَفْصَحَ كَلَامَهَا لَوْلَا أَنَّهَا قَصِيْرَةٌ، فَقَالَ لَهَا رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِغْتَبْتِيْهَا! يَا عَائِشَةُ» ، قَالَتْ: مَا قُلْتُ إِلَّا مَا فِيْهَا، فَقَالَ: «ذَكَرْتِ أَقْبَحَ مَا فِيْهَا» ، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ كَفَّ لِسَانَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِيْنَ أَقَالَ اللهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ ذَبَّ عَنْ أَخِيْهِ فَحَقِيْقٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ، قِيْلَ: يُؤْتَى الْعَبْدُ كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يَرَى فِيْه ِحَسَنَةً، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ، أَيْنَ صَلَاتِيْ وَصِيَامِيْ وَطَاعَتِيْ، فَيُقَالُ لَهُ: ذَهَبَ عَمَلُكَ كُلُّهُ بِاغْتِيَابِكَ لِلنَّاسِ، وَيُعْطَى الرَّجُلُ كَتَابَهُ بِيَمِيْنِهِ فَيَرَى فِيْهِ حَسَنَاتٍ لَمْ يَعْمَلْهَا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا بِمَا اِغْتَابَكَ بِهِ اَلنَّاسُ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ» .
وكما تحرم الغيبة يحرم استماعها وإقرارها، وهي: ذكرك الإنسان بما فيه بما يكره.
وينبغي لصاحب الغيبة أن يستغفر الله تعالى ويتوب قبل القيام من المجلس، عسى أن يغفر الله تعالى له ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا ذَكَرَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ اَلْمُسْلِمَ بِالسُّوْءِ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ تَعَالَى، فَإِنَّهُ كَفَّارَتُهُ»
وحكي أن فقيها من الفقهاء كان في مدرسة مع تلامذته، فدخلت عليه امرأة، وقالت: أيد الله الشيخ، لي مسألة لا أجترئ أن أسألكها حياء منك لعظم الإثم وصعوبة الحال، فقال لها: سلي ولا تستحي من العلم، قالت: كنت نائمة ليلة من الليالي، فجاءني ابني سكرانا، فواقعني، فحملت منه، وولدت ولدا، فتعجب القوم من ذلك