فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لِهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً».
كتابة الملائكة لما ذكر تكون بإطلاع الله لهم على ما في قلوبهم.
وقيل: بل يجد الملك لمن همّ بالحسنة رائحة طيبة، وبالسيئة رائحة خبيثة.
وقيل: غير ذلك.
وليعلم أن الله تبارك وتعالى يغفر حديثَ النفس، وما همّت بفعله، ما لم تعمل أو تتكلم به، لخبر الصحيحين: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِيْ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ.
والهاجسُ، وهو ما يلقى في النفس. والخاطرُ، وهو ما يجول فيها، مغفوران أيضا، بمعنى أنه لا يؤاخذ بشيء منهما، كما لا يثاب عليه.
أما العزم، وهو قوة القصد والجزم به فيؤاخذ به وإن لم يتكلم، لقوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225] ، ولما تقدم في الحديث السابق.
فصل: في قوله تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} وما يتعلق بذلك:
قال ابن العماد في (كشف الأسرار) قيل: أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، حذف الأول لدلالة الثاني. كقولهم: قطع الله يد ورِجل من قالها. وقعيد بمعنى: قاعد. ثم قال: واختلف في عدد الملائكة التي على كل إنسان، فقيل: عشرون ملكا، نقله الفاكهاني في شرح الرسالة عن المهدوي.
وروي أن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - سأل النبي - صلى الله عليه وسلم: كم من ملك على الإنسان، فذكر عشرين ملكا. قال: ملك عن يمينك على حسناتك، وهو أمين على الذي على يسارك، فإذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: أأكتب؟ فيقول: لا، لعله يستغفر أو يتوب، فإذا لم يتب، قال: نعم، اكتب، أراحنا الله منه، فبئس القرين، ما أقلّ مراقبته لله، وأقل استحياؤه، لقول الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] ، وملكان بين يديك ومن خلفك، لقول الله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] ، وملك قابض على ناصيتك، إذا تواضعت لله عزّ وجلّ رفعك الله، وإذا تجبرت على الله عزّ وجلّ قصمك الله، وملكان على شفتيك، ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي وأشرف الإمام - صلى الله عليه وسلم -، وملك على فيك، لا يدع الحية أن تدخل فيه، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي، فتنزل ملائكة الليل على ملائكة النهار، فهؤلاء وهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي، وإبليس بالنهار، وولده بالليل. قال الفاكهاني: إن قلت: إن الملائكة التي ترفع عمل العبد في اليوم هم الذين يأتون غدا أم غيرهم؟ قلت: الظاهر: أنهم هم، وإن ملكي الإنسان لا يتغيران عليه ما دام حيا، ويوضحه قول الملكين في الحديث المذكور، أراحنا الله منه، فبئس القرين، والقرين: المصاحب، كما قال ابن السكيت، وهذا الدعاء إنما يكون عند طول الصحبة، وإلا، فصحبة اليوم والساعة لا يسأل الراحة منها. انتهى.
وقوله تعالى: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} فيه أوجه حسنة،
أحدها: إن من بمعنى الباء على معنى {يَحْفَظُونَهُ بِأَمْرِ اللهِ} .
والثاني: إن المراد: {يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} بأمر الله على معنى: يحفظونه من قضاء الله بقضاء الله، وهو أمر لهما بالحفظ، وهذا كما قال عمر - رضي الله عنه: نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إِلَى قَدَرِ اللهِ.
والثالث: إن الوقف على قوله {يَحْفَظُونَهُ} و {مِنْ أَمْرِ اللهِ} يتعلق بمحذوف، التقدير: ذلك الحفظ من أمر الله أي من قضائه. قال الشاعر:
أمام وخلف المرء من لطف ربه ÷ كوالئ تنفي عنه ما هو يحذر
الكوالئ: الحوافظ. قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ} [الأنبياء: 42] .
وقول الملك: أراحنا الله منه، هو دعاء لأنفسهما بالتحول عن مشاهدة المعصية، لأنهم يتنادون بذلك.
ويحتمل أن يكون هذا في حق الكافر الذي لا يتوب ولا يستغفر، فإن المؤمن من عادته، وغالب أمره الاستغفار، ولا سيما عند وقوع المعصية.
ويحتمل تعميم ذلك في سائر العصاة من الموحدين والكافرين، ويكون دعاء عليهم بالموت، وهو جائز.
قال الكرابيسي صاحب الشافعي في كتابه (أدب القضاء) : لو دعا على غيره بالموت لم يعذر، لأنه دعا له بالخلاص من غم الدنيا.
قال: وقد قال أبو الدرداء - وقد قيل له: ما تحب لمن تحب؟ قال: أحب أن يموت. قيل: وإن لم يمت؟ قال: يقلل ماله وولده.
ونقل الواحدي عن ابن مسعود أنه قال: والله، ما من أحد إلا والموت خير له، لأنه إن كان مؤمنا، فإن الله تعالى قال: {وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 198] ، وإن كان كافرا، فإن الله تعالى إنما أملى لهم ليزدادوا إثما.