فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 118

وقيل فيه: أفضل الصلاة صلاة داود؛ كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه.

قوله: (ثُمَّ تَلَا) أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - احتجاجا على فضل صلاة الليل: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ} أي تتنحّى وترفّع {عَنِ الْمَضَاجِعِ} أي مواضع الاضطجاع للنوم (حَتَّى بَلَغَ: {يَعْمَلُونَ} ) قيل: وهذا كناية عن الصلاة بين المغرب والعشاء، وقيل: عن انتظار العشاء، لأنهم كانوا يؤخرونها إلى نحو ثلث الليل. وقيل: عن صلاة العشاء والصبح في جماعة. والجمهور على أنه كناية عن صلاة النوافل بالليل، وهو الذي دلّ عليه سياق الحديث والآية. قال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ... } فهو دالّ على أنهم أخفوا عملهم، فجوزوا بما أخفي لهم من قرة الأعين، وإنما يتم إخفاؤه بالصلاة في جوف الليل، لأن المصلي حينئذ ترك نومه ولذاته، وآثر ما يرجوه من ربّه عليهما، فحق له أن يجازى بذلك الجزاء العظيم.

9 -وفي الصحيحين: يقول الله تعالى: {أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِيْنَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ... الحديث} .

10 -وقد جاء: «إِنَّ اللهَ يُبَاهِي بِقَوَّامِ اللَّيْلِ فِي الظَّلَامِ اَلْمَلَائِكَةَ: يِقُوْلُ: اُنْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَامُوا فِيْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ حِيْنَ لَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ غَيْرِيْ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّيْ قَدْ أَبَحْتُهُمْ دَارَ كَرَامَتِيْ» .

ولا شك ولا خفاء أن الليل محل الخلوة والاختصاص ومجالسة الأحبة ومطية المحبين، كما قيل:

وما الليل إلا للمحب مطية ÷ وميدان سبق فاستبق تبلغ المنى

11 -وفي رواية لمسلم: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أُمُوْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ فِيْ كُلِّ لَيْلَةٍ» .

وقيل: أوحى الله إلى داود - عليه السلام - كذب من ادعى محبتي إذا جنّ ليله نام عني.

وقيل: إذا جن الليل بظلامه يقول الله تعالى: يا جبريل، حرك أشجار المعاملة، فإذا حركها قامت القلوب على باب المحبوب.

وقيل:

ببابك عبد من عبيدك مذنب ÷ كثير الخطايا جاء يسألك العفو

فأنزل عليه العفو يا من بفضله ÷ على قوم موسى أنزل المن والسلوى

وأوحى الله تعالى إلى بعض الصديقين أن لي عبادا يحبوني وأحبهم، ويشتاقون إليّ وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم. قال: يا رب، ما علامتهم؟ قال: يراعون الظلام بالنهار كما يراعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أوكارها، فإذا جنهم الليل، يعني: سترهم، واختلط الظلام، وفرشت الفرش، وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم، وافترشوا إلى وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملقوا إلي بإنعامي عليهم، فمنهم صارخ وباك ومتأوه وشاك، ومنهم قائم وقاعد وراكع وساجد، فأول ما أعطيهم ثلاث خصال:

الأولى: أن أقذف في قلوبهم من نوري.

الثانية: لو كانت السماوات والأرض في موازينهم لاستقللتها لهم.

الثالثة: أقبل بوجهي الكريم عليهم افترى من أقبلت عليه بوجهي أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه.

قيل: إن الطيور أنكرت على الخفاش طيرانه بالليل وقالوا: نور النهار أكمل، فقال: الليل أنيسي وراحة المشتاقين.

وقد جمعنا مجلسا عظيما في قيام الليل في كتاب: تحفة الإخوان.

قوله - صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ) أي العبادة أو الأمر الذي سألت عنه (وَعَمُوْدُهُ وَذُرْوَةُ) - بضم أوله وكسره (سَنَامِهِ: اَلْجِهَادُ) في أصل الترمذي، قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، فهذا ساقط من نسخة المصنف، وكذا وقع له في الأذكار، وهذا ثابت في بعض النسخ أيضا، وذروة الشيء: أعلاه، الجهاد أعلى أنواع الطاعات من حيث أن به يظهر الإسلام، ويعلو على سائر الأديان، وليس ذلك لغيره من العبادات، فهو أعلى بهذا الاعتبار، وإن كان فيها ما هو أفضل منه.

وعلى هذا يحمل قول بعضهم: الجهاد لا يقاومه شيء،

12 -وقد صح أنه - صلى الله عليه وسلم - سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ تَارَةً: اَلصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا، وَتَارَةً: اَلْجِهَادُ، وَتَارَةً بِرُّ الْوَالِدَيْنِ.

ويحمل على اختلاف أحوال السائلين، فأجاب كلا بما هو أفضل بالنسبة لحاله.

وأما الأفضل على الإطلاق بعد الشهادتين فهو الصلاة عندنا، ففرضها أفضل الفروض، ونفلها أفضل النوافل،

13 -لما صحّ من قوله - صلى الله عليه وسلم: الصلاة خير موضوع، وفي رواية صحيحة: «وَاعْلَمُوْا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ اَلصَّلَاةُ»

ثم قال له - صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ) أي بمقصوده وجماعه، أو بما يقوم به، وملاك - بفتح الميم وكسرها -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت