فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 118

والغضب في حق الآدمي ثوران دم القلب وغليانه عند توجه مكروه إلى الشخص.

وفي الحديث: «اَلْغَضَبُ جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ فِيْ قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَمَا تَرَوْنَ إِلَى اِنْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ وَاحْمِرَارِ عَيْنَيْهِ؟!» .

وأما عضب الله تعالى فهو إرادة الانتقام.

ولا يخفى أن الغضب إنما يذم حيث لم يكن لله تعالى، أما إذا كان له تعالى فهو محمود.

ومن ثم كان صلى الله عليه وسلم يغضب إذا انتهكت حرمات الله عز وجل، وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام: «أَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا» .

من أقوى أسباب رفع الغضب ودفعه التوحيد الحقيقي، وهو اعتقاد أن لا فاعل حقيقة في الوجود إلا الله تعالى، وأن الخلق آلات ووسائط، فمن توجه إليه مكروه من غيره وشهد ذلك التوحيد الحقيقي بقلبه، اندفعت عنه آثار غضبه، لأن غضبه إما على الخالق، وهو جراءة فاحشة تنافي العبودية، وإما على المخلوق، وهو إشراك ينافي التوحيد المذكور، ومن ثم، خدم أنس رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لشيء فعله: لِمَ فعلتَه؟ ولا لشيء تركه: لِمَ لَمْ تفعله، ولكن يقول: «قَدَّرَ اللهُ مَا شَاءَ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، وَلَوْ قَدَّرَ اللهُ لَكَانَ» ، وما ذاك إلا لكمال معرفته عليه الصلاة والسلام بأنه لا فاعل، ولا معطي، ولا مانع إلا الله تعالى.

ولا ينافي هذا ما صح من ضرب موسى عليه الصلاة والسلام الحجر الذي فَرَّ بثوبه حين اغتسل بعصاه حتى أثرت فيه، لأنه لم يغضب عليه غضب انتقام، بل غضب تأديب وزجر، لأن الله تعالى خلق في الحجر المذكور حياة مستقرة، فصار كدابة نفرت من راكبها، أو أنه غلب عليه الطبع البشري فانتقم منه كما غلب الطبع البشري حين لَفَّ كُمَهُ على يده عند أخذ العصا حين صارت حيّة تسعى.

ومن طبّ الغضب المذموم: الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والوضوء، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ بِالْمَاءِ، فَإِنَّمَا الْغَضَبُ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ» .

وفي رواية: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» .

فإن قيل: الغضب من الأمور الضرورية التي لا يمكن دفعها بشيء، فكيف أمر الشارع بالوضوء عنده؟

فالجواب: إنه، وإن كان كما ذكر، إلا أن له آثارا مترتبة عليه يمكن دفعها.

ويعضده قول بعضهم: الغضبان إما مغلوب للطبع الحيواني، وهذا لا يمكن دفعه، وإما غالب للطبع بالرياضة فيمكن دفعه، ولولا ذلك لكان قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَغْضَبْ» للرجل القائل له: «أَوْصِنِيْ» تكليفا بما لا يطاق.

ومن باب الغضب أيضا: الانتقال من مكان إلى مكان، واستحضار ما جاء في فضل كظم الغيظ، فقد أثنى الله تعالى في كتابه العزيز على كاظمين الغيظ فقال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [] ، وغير ذلك م الآيات.

وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَذَابَهُ، وَمَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ» .

وجاء: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ، اُذْكُرْنِيْ إِذَا غَضِبْتَ أَذْكُرْكَ إِذَا غَضِبْتُ، فَلَا أُهْلِكُكَ فِيْمَنْ هَلَكَ» .

وقال صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيْدُ بِالصُّرْعَةِ، وَلَكِنَّ الشَّدِيْدَ اَلَّذِيْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» .

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مَلَأَهُ اللهُ أَمْنًا وَإِيْمَانًا» .

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُشْرَفَ لَهُ الْبُنْيَانُ، وَتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَلْيُعْطِ مَنْ حَرَمَهُ، وَلْيَصِلْ مَنْ قَطَعَهُ» .

وقال: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى الْمُنَادِيْ: أَيْنَ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ؟ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَخُذُوا أُجُورَكُمْ، وَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِذَا عَفَا أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ» .

والأحاديث الواردة في معنى هذا كثيرة شهيرة.

حكي إن بعض الناس قدم له خادمه طعاما في صحفة، فعثر الخادم في حاشية البساط، فوقع ما معه، فامتلأ وجه الرجل غيظا، فقال الخادم: يا مولاي، خذ بقول الله تعالى! فقال الرجل: وما قال الله تعالى؟ فقال له الخادم: قال الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} ، فقال الرجل: كظمت غيظي، فقال الخادم: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} ، فقال: عفوتُ عنك، فقال الخادم: {وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} ، فقال: أنت حرٌّ لوجه الله تعالى، ولك هذه الألف دينار.

وقد كان الشعبي رحمه الله تعالى مولعا بقول القائل:

ليست الأحلام في حين الرضا ÷ إنما الأحلام في حين الغضب

وقال سفيان الثوري والفضيل بن عياض وغيرهما: أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع.

رزقنا الله ذلك، آمين.

وخوف الرب سبحانه وتعالى يدفع الغضب، كما حكي عن بعض الملوك أنه كتب في ورقة يذكر فيها: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، وويل لحاكم الأرض من حاكم السماء، ثم دفعها إلى وزيره وقال: إذا غضبت فادفعها إليَّ، فجعل الوزير كلما غضب الملك دفعها إليه، فينظر فيها فيسكن غضبه.

وقد جمع صلى الله عليه وسلم في قوله: «لَا تَغْضَبْ» جوامع الدنيا والآخرة، لأن الغضب يؤدي إلى التقاطع والتدابر والأذى ومنع الرزق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت