قال الذي يعمل بطاعة الله، قال: فكيف يكون فيها الرجل؟ قال: مشمّرا كطالب القافلة، قال: فكم القرار فيها؟ قال: كالتخلف عن القافلة؟ قال: فكم بين الدنيا والآخرة؟ قال: غمضة عين. قال: فذهب الرجل، فَلَمْ يَرَه أحد. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل، أتاكم يزهدكم في الدنيا.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يؤتى بالدنيا يوم القيامة على صورة عجوز شمطاء زرقاء، أثيابها بارزة، لا يراها أحد إلا كَرِه رؤيتها، فيقال لهم: هل تعرفون هذه؟ فيقولون: نعوذ بالله ن هذه، فيقال لهم: هذه الدنيا التي تفاخرتم بها، وتقاتلهم عليها.
وفي كتاب المنهيات: لا تحبوا الدنيا، فإنها ليست بدار المؤمنين، ولا تصاحبوا الشيطان، فإنه ليس برفيق المؤمنين، ولا تؤذوا أحدا، فليس ذلك بحرفة المؤمنين، فيا من بين يديه أهوال الحساب والصراط، فيا قليل الوفاء، يا كثير الغدر والانبساط، يا متكاسلا في طاعة مولاه وفي لذات هواه في نشاط، يا مبارزا مولاه بالمعاصي، أسرفت في الإفراط، يا ضعيفا عن حمل أثوابه، كيف تقوى على حمل السياط، فارفع يديك معي، وقل: إلهي، بحق كرمك، استعملنا في جميع الطاعات، ووفقنا لما تحب وترضى في جميع الأوقات، واغفر لنا بجودك يا ذا الجود جميع الزلات، وأيقظنا بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم ن سنة الغفلات، وارزقنا التيقظ فيما بقي، والتذكر فيما فات، وسلمنا في الدارين من جميع الآفات، آمين، آمين، آمين، والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله الذي بعث نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للأنام، واختصه بشريعة سمحة مشتملة على الحكم والأحكام، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، الملك القدوس السلام، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله أفضل الأنام ومصباح الظلام ورسول الملك العلام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الكرام، وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين، آمين.
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفنا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت، فعجبنا منه، يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله،، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق، فلبثت مليا، ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم. [رواه مسلم] .
اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته أن هذا الحديث حديث عظيم، رواه الإمام مسلم بهذا اللفظ، والبخاري عن أبي هريرة بمعناه، وهو عظيم الموقع والجلالة، وقد اشتمل على جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة.
قوله (قال بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، و يعرفه منا أحد) يستفاد من طلوعه على تلك الهيئة الحسنة استحباب التجمل لطلب العلم والقدوم على الغير، وهو كذلك.
قال أبو العالية: كان المسلمون إذا تزاوروا تجاملوا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحسن ما زرتم به الله في قبوركم مساجدكم البياض.
وقال ابن عبد السلام: لا بأس بلباس شعار العلماء، ليعرفوا بذلك فيسئلوا، فإني كنت محرما، فأنكرت على جماعة محرمين لا يعرفونني ما أخلوا به من آداب الطواف، فلم يقبلوا، فلما لبست ثياب الفقهاء، وأنكرت عليهم ذلك سمعوا وأطاعوا، فإذا لبسها لمثل ذلك كان فيه أجر، لأنه سبب لامتثال أمر الله، والانتهاء عما نهى الله عنه.
قال العلماء: ويكره لبس الثياب الخشنة لغير غرض شرعي.
قيل: إن الحسن جذب فرقدا، فأخذ بكسائه، وقال له: يا فرقد، يا فرقد، يا ابن أم فريقد، إن البر ليس في لبس هذا الكساء، إنما البر ما وقر في الصدر، وصدقه العمل.
قوله (حتى جلس) أي جاء حتى جلس قريبا منه.
وقوله (إلى النبي صلى الله عليه وسلم) لم يقل: بين يديه، قيل: لأن حاله يدل على أنه لم يجئ متعلما، وإنما جاء معلما.
وقوله (فأسند ركبتيه إلى ركبتيه)