فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 118

وما أحسن قول الخليل على نبِيّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام لجبريل لما قال له: ألك حاجة؟ حين ألقي في النار. قال: أما إليك، فلا، قال: سل ربك. قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فإن قوله يتضمن أن المنجي من الشدائد، والمعطي للسؤال، هو الله تعالى دون غيره.

قوله: (وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْأُمَّةَ) أي سائر المخلوقين (لَوْ اِجْتَمَعَتْ) أي كلها (عَلَى أَنْ يَنْفَعُوْكَ بِشَيْءٍ) أي من خيري الدنيا والآخرة (لَمْ يَنْفَعُوكَ) أي بشيء من الأشياء (إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ) أي في علمه، أو في اللوح المحفوظ (وَإِنِ اجْتَمَعُوا) أي كلهم (عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ) أي من ضرر الدنيا والآخرة (لَمْ يَضُرُّوكَ) أي بشيء من الأشياء (إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ عَلَيْكَ) ويشهد له قوله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ} [يونس: 107] . والمعنى: توجّه إلى الله في لحوق الضرر والنفع، فهو الضار النافع، ليس لأحد معه شيء في ذلك، لأن أزمة الموجودات بيه منعا وإيجادا وإطلاقا، فإذا أراد أحد ضرك بما لم يكتبه عليك دفعه الله تعالى عنك وصرفه عن مراده بعارض من عوارض القدرة الباهرة مانع من الفعل من أصله أو من تأثيره، وفي ذلك حثّ على التوكّل والاعتماد على الله تعالى في جميع الأمور والإعراض عما سواه.

لا ينافي هذا قوله تعالى حكاية عن موسى - عليه السلام: {فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} [الشعراء: 14] [القصص: 33] ، {إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} [طه: 45] ، لأن الإنسان مأمور بالفرار من أسباب المؤذيات إلى أسباب السلامة وإن لم يسلم، كقوله تعالى: {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] ، وقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] . وقول عمر - رضي الله عنه: إنما نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله.

قوله: (رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ) أي تركت الكتابة بها لفراغ الأمر، والمعنى: انتهت الكتابة بها في اللوح المحفوظ بما كان، وبما يكون إلى يوم القيامة. قوله: (وَجَفَّتْ) بالجيم (الصُّحُفُ) التي فيها مقادير الكائنات كاللوح المحفوظ، فلا تبديل بعد ذلك ولا نسخ لما كتب فيها، وقد يوجد فيها نحو تبديل بحسب ما في علم الله تعالى، ومصداقه قوله تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] أي أصله وهو العلم القديم الأزلي الذي لا يغير منه شيء كما قاله ابن عباس وغيره.

من علم هذا هان عليه التوكل على خالقه والإعراض عما سواه، روى ابن العربي بسنده أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى اَلْقَلَمُ، ثُمَّ خَلَقَ النُّوْنَ، وَهِيَ الدَّوَاةُ، وذلك قوله تعالى: {ن. وَالْقَلَمِ} ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اُكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اُكْتُبْ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ أَجَلٍ أَوْ رِزْقٍ أَوْ أَثَرٍ، فَجَرَى الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ خَتَمَ الْقَلَمُ، فَلَمْ يَكْتُبْ وَلَمْ يَنْطَلِقُ، وَلَا يَنْطَلِقُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ خَلَقَ الْعَقْلَ، فَقَالَ لَهُ الْجَبَّارُ: مَا خَلَقْتُ خَلْقًا أَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْكَ، وَعِزَتِيْ، لَأُكَلِّمَنَّكَ فِيْمَنْ أَحْبَبْتُ، وَلَا نَقُصَّنَّكَ فِيْمَنْ أَبْغَضْتُ» ، ثم قال - صلى الله عليه وسلم: «أَكْمَلُ النَّاسِ عَقْلًا أَطْوَعُهُمْ للهِ بِطَاعَتِهِ» .

وروى مسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيْرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ» .

وفيه أيضا: يا رسول الله، فِيْمَ الْعَمَلُ اَلْيَوْمَ، أَفِيْمَا جَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيْرُ أَمْ فِيْمَا يُسْتَقْبَلُ؟ قَالَ: «بَلْ فِيْمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيْرُ» قَالُوْا: فَفِيْمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: «اِعْمَلُوْا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» .

قيل: أول من كتب العربي وغيره آدم - عليه السلام -، وقيل: إسماعيل أول من كتب العربي، وقيل: أول من وضع الخط نفسر من طيّ، ولم يصح في ذلك كله شيء، والله سبحانه وتعالى أعلم. ا. هـ.

وفي رواية غير الترمذي: (احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ) أي تحبب بالدأب في الطاعات حتى تكون عنده معروفا بذلك. (يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ) بتفريجها عنك وجعله لك من كل ضيق فرجا، ومن كل همّ مخرجا، يقال: إن العبد إذا تعرف إلى الله في الرخاء، ثم دعاه في الشدة، يقول الله تعالى: هذا الصوت أعرفه، وفي غيره لا أعرفه، وقيل: المراد: تعرف إلى ملائكة الله تعالى في حال اليسر بإظهار العبادة واللزوم للطاعة تعرفك في حال الشدة، فتشفع لك عند الله بطلب الفرج والمعونة منه لك، وذلك لما روي أن العبد إذا كان له دعاء في الرخاء كدعائه في الشدة، قالت الملائكة: ربنا هذا صوت نعرفه، وإن لم يكن له صوت دعا به في الرخاء فدعا في الشدة، قالت الملائكة: ربنا هذا صوت لا نعرفه.

قوله: (وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ) أي فلم يصل إليك (لَمْ يَكُنْ) مقدرا عليك (لِيُصِيْبَكَ) إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قدر له أو عليه، وذلك لأن المقدرات سهام صائبة وجهت من الأزل، فلا بد أن تقع مواقعها. روى الإمام أحمد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيْقَةً، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيْقَةَ الْإِيْمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيْبَهُ» ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت