فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 118

عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». رواه التِّرمذيُّ، وقالَ: (حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ) .

وفي روايةِ غيرِ التِّرمذيِّ: «احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» .

صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم الموقع، وأصل كبير في رعاية حقوق الله تعالى، والتفويض لأمره.

قوله - يعني: ابن عباس - رضي الله عنهما - (كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-) أي على دابة، كما في رواية، ففيه جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته. قوله: (يَوْمًا) أي في يوم. قوله: (فَقَالَ لِيْ: «يَا غُلَامُ» ) هو الصبي من حين يفطم إلى تسع سنين، وكان سنه إذ ذاك تسع سنين. قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «إِنِّيْ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ» ) أي ينفعك الله بهن، كما في رواية أخرى، أي نتعلمهن ونعلمهن، وهي وإن كانت قليلة، فمعانيها كثيرة جليلة. قوله: (اِحْفَظِ اللهَ) أي احفظ الله بحفظ فرائضه وحدوده وملازمة تقواه واجتناب نواهيه وما لا يرضاه. (يَحْفَظْكَ) في نفسك وأهلك ودنياك ودينك، لا سيما عند الموت، إذ الجزاء من جنس العمل، ومنه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] ، {إِنْ تَنْصُرُو اللهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7] . وقد مدح الله تعالى الحافظين لحدوده، فقال تعالى: {هَذَا مَا تُوعَظُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ} [ق: 32] .

قوله: (احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ) أي احفظ الله، وكن مِن {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 33] ، تجدْهُ تجاهك أي أمامك، أي تجد معك بالحفظ والإحاطة والتأييد والإعانة حيثما كنت، فتستأنس به، وتستغني به عن خلقه. وخص الأمام من بين الجهات الست إشعارا بشرف المقصد، وبأن الإنسان مسافر إلى الآخرة، غير مقيم في الدنيا، والمسافر إنما يطلب أمامه لا غير، والمعنى: تجده حيثما توجهت وتيممت وقصدت من أمر الدنيا والدين.

قوله: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ) أي إذا أردت سؤال شيء فاسأل الله أن يعطيك إياه، ولا تسأل غيره، فإن خزائن الجود بيده، وأزمّتها إليه، إذ لا قادر، ولا معطي، ولا متفضل غيره، فهو أحق أن يقصد، سيما وقد قسم الرزق، وقدّره لكل أحد بحسب ما أراده له، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد، ولا ينقص بحسب علمه القديم الأزلي، وإن كان يقع في ذلك تبديل في اللوح المحفوظ بحسب تعليق على شرط. ومن ثم، كان للسؤال فائدة، لاحتمال أن يكون إعطاء المسؤول معلقا على سؤاله.

روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّ الرُّوْحَ الْأَمِيْنَ أَلْقَى فِيْ رَوْعِيْ: لَنْ تَمُوْتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ» أي طلب الحلال فمع النظر، لذلك، لا فائدة في سؤال الخلق مع التعويل عليهم، فإن قلوبهم كلها بيد الله يصرفها على حسب إرادته، فوجب أن لا يعتمد في أمر من الأمور إلا عليه، فإنه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} ، وبيده النفع والضر، وهو على كل شيء قدير.

وقد جاء في الحديث: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» فليسأل أحدكم ربه حاجته، حتى شسع نعله إذا انقطع.

وأخرج المحاملي وغيره، قال الله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِيْ دَعَانِيْ فَلَمْ أُجِبْهُ، وَسَأَلَنِيْ فَلَمْ أُعْطِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لِيْ فَلَمْ أَغْفِرْ لَهُ وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِيْنَ} .

وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّيْنَ فِي الدُّعَاءِ» أي والمخلوق يغضب وينفر عند تكرار السؤال، وقد قال الله تعالى لموسى - عليه السلام: يَا مُوْسَى، سَلْنِيْ فِيْ دُعَائِكَ، وَجَاءَ فِيْ صَلَاتِكَ حَتَّى ملح عَجِيْنُكَ.

وأنشدوا:

لا تسألن بني آدم حاجة ÷ وسل الذي أبوابه لا تحجب

الله يغضب إن تركتَ سؤاله ÷ وبني آدم حين يسأل يغضب

فشتان ما بين هذين، وسحقا لمن تعلق بالأثر وأعرض عن العين.

(مَوْعِظَةً) سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - أن يعظه، فقال الإمام: إن كان الله تعالى تكفل بالرزق، فاهتمامك بالرزق، لماذا وإن كان الرزق مقسوما، فالحرص؟ لماذا وإن كان الخلف على الله، فالبخل، لماذا وإن كانت الجنة حقا، فالراحة، لماذا وإن كانت النار حقا فالمعصية، لماذا وإن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة، لماذا وإن كان الحساب حقا، فالجمع، لماذا وإن كان كل شيء بقضائه وقدره فالحزن، لماذا؟

قوله: (وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ) أي إذا طلبت الإعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة فاستعن بالله، لأنه القادر على كل شيء، وغيره عاجز عن كل شيء، حتى عن جلب صالح نفسه، ودفع مضارها.

كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله، يكلك الله إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت