الحمد لله الملك المتعال، المنزه عن الشركاء والأمثال، الذي بيّن لعباده الحرام من الحلال، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة تصلح القلب واللسان من فساد الأفعال، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي طهره الله ظاهرا وباطنا، ووصفه فوق ما يقال، فهو النبي المصطفى، والحبيب المجتبى، والهادي من الضلال، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه بالغدوّ والآصال، آمين.
عَنْ أَبِيْ عَبْدِ اللهِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» [رواه البخاري ومسلم] .
اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، إن هذا الحديث حديث عظيم، وهو أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام.
قال جماعة: هو ثلث الإسلام، إذ الإسلام يدور عليه، وعلى حديث «إِنَّمَا اْلأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وحديث «مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيْهِ» .
وقال أبو داود: يدور على أربع؛ ما ذكر، وقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» ، وحديث «اِزْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وَازْهَدْ فِيْمَا فِيْ أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» .
وقد جمعها بعضهم بقوله:
عمدة الدين عندنا كلمات ÷ أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما ÷ ليس يعنيك واعملن بنية
قوله (إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ) أي ظاهر منكشف قد انتفت عن ذاته الصفات المحرمة وخلا عن شائبة ما يتطرق إليه من ذلك، وهو عند إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى: ما لم ير دليل بتحريمه، فهو ما لم يمنع منه شرعا، سواء أورد بِحِلّه دليل أو سكت عنه. بدليل قوله صلى الله عليه وسلم فيما يأتي في الحديث الثلاثين (30) : «وَسَكَتَ» أي الله «عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلاَ تَبْحَثُوْا عَنْهَا» [] ، لأنها لو كانت حراما، لَبَيَّنَها.
وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: ما ورد دليل بِحِلّه.
فهو أخص من قول الشافعي، لخروج المسكوت عنه.
وعليهما، لو رأينا نباتا، ولم نعلم أَمُضِرٌّ هو أم لا؟ أو حيوانا لم تعرفه العرب، فالأشبه، كما قال الإمام الرافعي وغيره بمذهب الإمام الشافعي: الحِلّ، لسكوت الشارع عن تحريمه.
وبمذهب أبي حنيفة: التحريم، لعدم ورود نص بِحِلّه.
قوله (وَإِنَّ الحَرَامَ) أي وهو ما منع من تعاطيه ليل، على مذهب الإمام الشافعي، وما لم يرد بِحِلِّه على مذهب الإمام أبي حنيفة.
قوله (بَيِّنٌ) أي يعرفه كل أحد لم ينتفِ عن ذاته صفة محرمة، فهو: ما منع منه شرعا اتفاقا؛ إما لصفة في ذاته ظاهرة، كالسمّ والبنج وغيرهما، أو غير ظاهرة، كتحريم بعض الحيوان، وإما لِخَلَل في تحصيله، كالمغصوب، وبيع الغرر، والربا.
قوله (وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي لخفاء حكمهن عليهم، ويعلمهن العلماء بنص، أو قياس، أو استصحاب، أو نحو ذلك.
قوله (فَمَن اِتَّقَى) أي ترك (اَلشُّبُهَاتِ) جمع شبهة، وهو ما يخيل للناظر أنه حجة، وليس كذلك. قوله (اِسْتَبْرَأَ) بالهمزة، وقد تخفف، أي طلب البراءة (لِدِيْنِهِ) أي من ذم الشرع (وَعِرْضِهِ) بكسر العين أي صانه عن كلام الناس فيه. والمراد به النفس، إذ هي محل المدح والذم.
وقد جاء في الأثر: «مَنْ وَقَفَ مَوْقِفَ تُهْمَةٍ فَلاَ يَلُوْمَنَّ مَنْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِهِ» .
وقال صلى الله عليه وسلم لرجلين مرَّا عليه ومعه زوجته صفية أسرعا في المشي: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ» ، خوفا عليهما أن يهلكا، فقالا: سبحان الله، فقال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِيْ مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَقَدْ خَشِيْتُ أَنْ يَقْذِفَ فَيْ قُلُوْبِكُمَا شَرًّا»
اختلف العلماء في معنى الشبهة المذكورة في الحديث؛
-فمنهم من قال: إنها الحرام، عملا بقوله: (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ) .
-ومنهم من قا: إنها الحلال، عملا بقوله: (كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ) ، فإنه دال على أن ذلك حلال، وإن تركه وورع، وهو الصواب.
قوله (وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ) أي بأن لم يترك فعلها، وقع في الحرام المحض، أو قارب أن يقع فيه.
معناه: أن من كثر تعاطيه الشبهات صادف الحرام، وإن لم يتعمده، وقد يأثم بذلك إن نسب إلى تقصير.
أو معناه: أن يعتاد التساهل ويجسر على شبهة ثم شبهة أغلظ منها، ثم أخرى أغلظ، وهكذا، حتى يقع في الحرام عمدا.