فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 118

قال القرطبي وغيره:

أما الأول: فقاله في حالة قتاله لأهل الأوثان الذين لا يقرون بالتوحيد.

وأما الثاني: فقاله في حالة قتاله لأهل الكتاب الذين يقرون بالتوحيد، ويجحدون نبوته عموما وخصوصا.

وأما الثالث: ففيه إشارة إلى أن من دخل في الإسلام، وشهد بالتوحيد والنبوة، ولم يعمل بالطاعات، حكمهم أن يقاتلوا حتى يذعنوا إلى ذلك، فاقتصر في الأول على قوله: لا إله إلا الله، ولم يذكر الرسالة، وهي مرادة، كما تقول: قرأت الحمد لله، وتريد السورة كلها.

وقيل: غير ذلك.

فصل: في الكلام على لا إله إلا الله، وبعض فضائلها

اعلم أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده أن يعتقدوها، ويقولوها، فقال سبحانه: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ} [محمد:] ، وذم مشركي العرب بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوْا إِذَا قِيْلَ لَهُمْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُوْنَ} [] .

وقال صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب: قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة، فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك.

فـ"لا إله إلا الله"كلمة التقوى، كما فسرها صلى الله عليه وسلم.

وفي حديث عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا حرمه الله تعالى على النار. فقال عمر رضي الله عنه: أنا أحدثكم ما هي؟ هي كلمة الإخلاص التي ألزمها محمد وأصحابه.

قال سهل التستري: ليس لقول لا إله إلا الله ثواب إلا النظر إلى وجه الله عزّ وجلّ والجنة ثواب الأعمال.

وقيل: إن كلمة التوحيد إذا قالها الكافر تنفي عنه ظلمة الكفر، وتثبت في قلبه نور التوحيد، وإذا قالها المؤمن في كل يوم ألف مرة، فبكل مرة تنفي عنه شيئا لم تنفه المرة الأولى.

وهي أفضل الذكر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وهي دأب الناسكين، وعمدة السالكين، وعدة السائرين، وتحفة السابقين، ومفتاح الجنة، ومفتاح العلوم والمعارف.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يفتح الله تعالى أبواب الجنة، وينادي منادٍ من تحت العرش: أيتها الجنة، وكل ما فيك من النعم، لمن أنت؟ فتنادي الجنة وكل ما فيها: نحن لأهل لا إله إلا الله، ولا نطلب إلا أهل لا إله إلا الله، ولا يدخل علينا إلا أهل لا إله إلا الله، ونحن محرومون على من لم يقل: لا إله إلا الله، وعند هذا تقول النار وكل ما فيها من العذاب: لا يدخلني إلا من أنكر لا إله إلا الله، ولا أطلب إلا من كذب بلا إله إلا الله، وأنا حرام على من قال: لا إله إلا الله، ولا أمتلئ إلا بمن جحد لا إله إلا الله، وليس غيظي وزفيري إلا على من أنكر لا إله إلا الله، ثم قال: فتجيء رحمة الله ومغفرته، فتقول: أنا لأهل لا إله إلا الله، وناصرة لمن قال: لا إله إلا الله، ومحبة لمن قال: لا إله إلا الله، والجنة مباحة لمن قال: لا إله إلا الله، والنار محرمة على من قال: لا إله إلا الله، والمغفرة من كل ذنب لأهل لا إله إلا الله، والرحمة والمغفرة غير محجوبة عن أهل لا إله إلا الله.

وقال بعضهم: الحكمة في قوله تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. وَإِذَا النُّجُوْمُ انْكَدَرَتْ} [] ، إن يوم القيامة يتجلى نور كلمة لا إله إلا الله، فيضمحلّ في ذلك نور الشمس والقمر، لأن أنوار تلك أنوار مجازية، ونور لا إله إلا الله نور حقيقي ذاتي واجب الوجود لذاته تعالى، والمجاز يبطل في مقابلة الحقيقة.

وجاء في الآثار: إن العبد إذا قال: لا إله إلا الله أعطاه الله من الثواب بعدد كل كافر وكافرة، فقيل: والسبب أنه لما قال هذه الكلمة فكأنه قد ردّ على كل كافر وكافرة، فلا جرم يستحق الثواب بعددهم.

وسئل بعض العلماء عن معنى قوله تعالى: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيْدٍ} [] ، فقال: البئر المعطلة قلب الكافر، معطل من قول لا إله إلا الله، والقصر المشيد قلب المؤمن، معمور بشهادة أن لا إله إلا الله.

وقيل في قوله تعالى: {اِتَّقُوْا اللهَ وَقُوْلُوْا قَوْلًا سَدِيْدًا} [] ، يعني: قولوا: لا إله إلا الله.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي في الطرق، ويقول: قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا.

وقال سفيان بن عيينة: ما أنعم الله على العباد نعمة أفضل من أن عرّفهم لا إله إلا الله، وأن لا إله إلا الله لهم في الآخرة كالماء في الدنيا.

وقال سفيان الثوري رحمه الله: إن لذاذة قول لا إله إلا الله في الآخرة كلذة شرب الماء البارد في الدنيا.

وذكر مجاهد في تفسير قوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [] أنه لا إله إلا الله.

وقيل: إن كل كلمة يصعد الملك بها إلا قول لا إله إلا الله، فإنها تصعد بنفسها. دليله قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [] أي قول لا إله إلا الله {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [] أي الملك يرفعه إلى الله تعالى. حكاه الرازي.

وحكى أيضا أنه إذا كان آخر الزمان، فليس لشيء من الطاعات فضل كفضل لا إله إلا الله، لأن صلاتهم وصيامهم يشوبهما الرياء والسمع، وصدقاتهم يشوبها الحرام، ولا إخلاص في شيء منها، أما كلمة لا إله إلا الله فهي ذكر الله، والمؤمن لا يذكرها إلا عن صميم قلبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت