وفيه بيان أنه لا فرق بين أن يكون محدثا لما فعله أو مسبوقا به، إذ كل فعل لم يكن على أمر الشرع ففاعله آثم، لقوله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ.
ودخل فيما تناوله الحديث: العقود الفاسدة، والحكم مع الجهل والجور، ونحو ذلك مما لا يوافق الشرع.
قسم ابن عبد السلام الحوادث إلى الأحكام الخمسة، فقال:
البدعة: فعل ما لم يعهد في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛
1 -واجبة: كتعلم النحو وغريب الكتاب والسنة ونحوهما مما يتوقف فهم الشريعة عليه،
2 -ومحرمة: كمذهب القدرية والجبرية والمجسمة،
3 -ومندوبة: كإحداث الربط والمدارس وبناء القناطر وكل إحسان لم يعهد في العصر الأول،
4 -ومكروهة: كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف،
5 -ومباحة: كالمصافحة عقب صلاة الصبح والعصر والتوسع في المأكل والمشرب والملبس وغير ذلك.
واعلم، أن في هذا الحديث الحث على الاتباع والتحذير من الابتداع.
قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: لا تجالس أهل الهوى، فيحدثوا في قلبك ما لم يكن.
وقال سهل بن عبد الله: من داهن مبتدعا سلبه الله حلاوة السنن.
وقال الدقاق: من استهان بأدب من آداب الإسلام عوقب بحرمان السنة، ومن ترك سنة عوقب بحرمان الفريضة، ومن استهان بالفرائض قيض الله له مبتدعا يذكر عنده باطلا فيوقع في قلبه شبهة.
وفي الحديث: مَنْ أَحَبَّ سُنَّتِيْ فَقَدْ أَحَبَّنِيْ، وَمَنْ أَحَبَّنِيْ كَانَ مَعِيْ فِي الْجَنَّةِ.
وفي تفسير قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [] ، أن الحكمة هي السنة.
يحكى عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه قال: كنت يوما مع جماعة يتجردون ويدخلون الماء، فاستعملت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ اْلآخِرِ فَلاَ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ إِلاَّ بِمِئْزَرٍ، فلم أتجرد، فرأيت تلك الليلة في المنام قائلا يقول لي: أبشر يا أحمد، فإن الله قد غفر لك باستعمال السنة، فقلت: من أنت؟ فقال: جبريل، وقد جعلك الله إماما يقتدى بك.
ويحكى عن بعضهم أيضا أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله، عسى أن تشفع لي، فقال لي: قد شفعت لك، قلت: متى؟ قال: من اليوم الذي أحييت فيه سنتي، وقد كانت أميتت.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما أتى على الناس عام إلا أحدثوا فيه بدعة، وأماتوا فيه سنة، حتى تحيا البدعة وتموت السنة.
وفي الحديث: من مشى إلى صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، فيجب على مَنْ مَنَّ الله عليه بالاتباع أن يجتنب سبيل ذوي الابتداع، وأن يقف مع الكتاب والسنة والإجماع.
حكى المالقي في شرحه إن هارون الرشيد وجّه إلى أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، فاستعطفه ليرخص له في نكاح الجارية التي تركها أخوه موسى الهادي، وكان قد استخلفه أنه تى أفضت الخلافة إليه لايقربها، فحلف له هارون أيمانا كثيرة، منها المشي إلى بيت الله الحرام حافيا على قدميه، والقصة مشهورة عند أهل التاريخ، فلما مات أخوه موسى الهادي، طلب هارون رخصة في نكاحها، فلم يسعفه الشافعي، وفتوعده وهدده، فانصرف عنه، وقد خامره بعض رعب، فما زال يصلي حتى غلب عليه النوم في مصلاه، فرأى كأنه قائم بين يدي الله تعالى، فنودي: يا محمد، تثبت على دين محمد، وإياك إياك أن تحيد، فتضل وتضل، ألست بإمام القوم، لا وجل عليك منه، اقرأ: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيْ أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلًا فَهِيَ إِلَى اْلأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُوْنَ} [يس:] ، قال: فاستيقظت، وأنا أقرؤها، فلما كان وقت صلاة الصبح، صليت الفريضة، ثم وجدت في نفسي كسلا، فقيل لي: هارون الرشيد توجه عنك، فلا تخف ما دمت حيا، واقرأ في نفسك إذا مشيت إليه دعاء الخائف، فإن لا ترى منه إلا خيرا، فانتبهت، وجعلت أقول: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، أإلى عدوّ بعيد يتجهمني، أم إلى صديق قريب ملكته أمري، إن لم يكن لك علي غضب فما أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، ويحل علي سخطك، لك الحمد حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.
قال: فما أكملت قراءته حتى سمعت قرع الباب، فخرجت، فوجدته الربيع بن ويره، فقال: يا سيدي، الخليفة يأمرك بالوصول إليه، فمشيت معه، فلما وصلت لقربه قام إلي، فرحب بي، وتبسم، وقال: نعم المسلم أنت، ونعم الإمام مثلك، لا تأخذني في الله لومة لائم. اعلم يا فقيه، إني عوتبت الليلة في حقك، فانصرف راشدا، فأنت الملحوظ والمحفوظ، وأمر له بعشرة آلاف دينار، ففرقها بين يديه وانصرف رضي الله عنه.
وهذا كله ببركة التمسك بسنة سيد المرسلين، أماتنا الله عليها، آمين، والحمد لله رب العالمين.