فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 118

الحمد لله الذي أحيانا بعد مماتنا، وتكفل بأرزاقنا وأقواتنا، وأمرنا بتوحيده في جميع أوقاتنا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله يعلم ما نحن عليه من أسرارنا ونياتنا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه موالينا وساداتنا، آمين.

عَنْ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ» .

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» ، ثُمَّ تَلَا: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16] حَتَّى بَلَغَ: {يَعْلَمُونَ} [السَّجْدَةِ: 16 - 17] .

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» .

ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» ، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث أصل عظيم.

وفي الجامع: زيادة على ما ذكره هنا، ولفظه: عن معاذ بن جبل قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيْ سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيْبًا مِنْهُ، وَنَحْنُ نَسِيْرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، أَخْبِرْنِيْ بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِيْ الْجَنَّةَ ... وذكر الحديث.

قوله: (أَخْبِرْنِيْ ... إلخ) فيه عظيم فصاحته، فإنه أوجز وأبلغ، ومن ثم حمد النبي - صلى الله عليه وسلم - مسألته وعجب من فصاحته، حيث قال له: (لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيْمٍ) أي عن عمل عظيم.

(وَإِنَّهُ لَيَسِيْرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْهِ) أي بتوفيقه إلى القيام بالطاعات، وشرح صدره إلى السعي فيما يكلفه الله به، فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ثم فسر ذلك العمل العظيم بقوله: (تَعْبُدُ اللهَ) أي توحّده (لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا) أي تأتي بجميع أنواع العبادة على وجه الإخلاص.

قوله: (وَتُقِيْمُ الصَّلَاةَ ... إلى قوله: وَتَحُجُّ الْبَيْتَ) أي تأتي بجميع ذلك إن وجدت أسبابه وانتفت موانعه بسائر واجباته.

ثم قال له - صلى الله عليه وسلم: (أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟) وفي رواية ابن ماجه: (أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟)

قوله: (اَلصَّوْمُ جُنَّةٌ) أي الإكثار من نفله، لأن فرضه قدمه، والجُنَّة - بضم الجيم - من: جَنَّ: استتر أي هو ستر ووقاية من النار ومن استيلاء الشهوات والغفلات، وذلك باب ووسيلة إلى صفاء الأحوال ووقوع أفضل الأعمال على نهاية الكمال، لما في الصوم من الصبر عن ملاذ الشهوات والمألوفات.

1 -وقد قال - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيْلِ اللهِ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» .

2 -وفي روض الأفكار أن رجلا سأل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن الصيام، فقال: ألا أحدثك بحديث كان عندي من التحف المخزونة: إن كنت تريد صيام داود فإنه كان يصوم يوما ويفطر يوما، وإن كنت تريد صيام ولده سليمان فإنه كان يصوم ثلاثة أيام أول الشهر، وثلاثة أيام من وسطه، وثلاثة أيام من آخره، وإن كنت تريد صيام عيسى فإنه كان يصوم الدهر، ويلبس الشعر، وحيثما أدركه الليل صف قدميه، وصلى حتى تطلع الشمس، وإن كنت تريد صيام أمه، فإنها كانت تصوم يومين وتفطر يوما، وإن كنت تريد صيام خير البرية، فإنه كان يصوم أيام البيض من كل شهر: ثالث عشرة، ورابع عشرة، وخامس عشرة حضرا وسفرا، وسميت أيام البيض لأن آدم - عليه الصلاة والسلام - لما هبط من الجنة إلى الأرض اسودّ جسمه من حر الشمس، فجاء جبريل - عليه السلام - وأمره بصوم أيام البيض فابيضّ في اليوم الأول ثلث بدنه، وفي الثاني ثلثاه، وفي الثالث جميعه.

3 -قال أبو هريرة: أَوْصَانِيْ خَلِيْلِيْ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ.

4 -وقال - صلى الله عليه وسلم: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا صَامَ يَوْمًا تَطَوُّعًا، ثُمَّ أُعْطِيَ مِلْءَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَمْ يَسْتَوْفِ ثَوَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

قال الشبلي - رضي الله عنه: كنت في قافلة، فطلع علينا العرب، فأخذوا القافلة، ثم مررت عليهم وهم يأكلون شيئا من طعام القافلة، ورأيت كبيرهم صائما، فقلت: تصوم وتقطع الطريق؟ فقال: أجعل للصلح موضعا، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت