فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 118

يكون الولد غيظا.

وقيل: هو كناية عن رفع الأسافل، لأن الأمة إذا ولدت من سيدها ارتفعت منزلتها، ويشهد لهذا المعنى حديث: لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع.

وقيل: غير ذلك.

قوله (وأن ترى الحفاة) بالمهملة جمع حافٍ، وهو من لا نعل في رجله. قوله (العراة) جمع عارٍ، وهو من لا شيء على جسده. قوله (العالة) بفتح اللام المخففة، جمع عائل، وهو الفقير، والعيلة الفقر. قوله (رعاء الشاء) بكسر الراء والمد جمع راعٍ، وأصل الرعي: الحفظ، والشاء: الغنم، وخصهم بالذكر، لأنهم أهل البادية. قوله (يتطاولون في البنيان) أي يتباهون في ارتفاعه.

والقصد من الحديث الإخبار عن تبدل الحال وتغيّره بأن يستولي أهل البادية والفاقة الذين هذه صفاتهم على أهل الحاضرة، ويتملكون بالقهر والغلبة، فتكثر أموالهم، ويتسع في الحطام آمالهم، فتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان.

وقد جاء في الحديث: لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع، كما مرّ.

وجاء: إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. وهذا مشاهد في زماننا.

وفيه دلالة على كراهية ما لا تدعو الحاجة إليه من تطويل البناء، وتشييده.

وجاء في الحديث: يؤجر ابن آدم على كل شيء إلا ما يضيعه في هذا التراب.

ومات النبي صلى الله عليه وسلم ولم يضع حجرا على قبر ولا لبنة على لبنة.

قوله (ثم انطلق) أي الرجل السائل عما ذكر. (فلبث النبي صلى الله عليه وسلم) أي استمرّ ساكنا عن الكلام في هذه القضية (مليًّا) بتشديد الياء أي زمانا كثيرا. وجاء في رواية: (فلبثت) بتاء مضمومة، فيكون عمر هو المخبر عن ذلك بنفسه، وكان ذلك الزمن بعد ثلاث، كما جاء في رواية أبي داود والترمذي وغيرهما.

قوله (ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم) أي قواعد دينكم. ففيه إشارة إلى أن الدين اسم للثلاثة؛ الإسلام، الإيمان، والإحسان.

وفهم منه أنه يستحب للمعلم تنبيه تلامذته، وللرئيس تنبيه أتباعه على قواعد العلم وغرائب الوقائع طلبا لنفعهم وفائدتهم.

ظاهر هذا الحديث مخالف لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: فأدبر الرجل، فقال عليه الصلاة والسلام: ردوه عليّ، فأخذوا يردونه، فلم يروا شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل. فيحمل على أن عمر رضي الله عنه لم يحضر قوله هذا، بل كان قام عن المجلس، فأخبر به بعد ثلاثة أيام.

اعلم أن جبريل عليه السلام ملك متسطا بين الله ورسله، وهذا الاسم سرياني، ومعناه عبد الله. والخبر دال على أن الله تعالى شكل الملائكة بما شاءوا من الصور، كما مرّ، وقد كان جبريل يتمثل لنبينا صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي. وفي رواية: ما جاءني جبريل في صورة لم أعرفه فيها إلا في هذه المرة.

قال ابن عادل رحمه الله: يروى أن جبريل عليه السلام نزل على آدم عليه السلام اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات، وعلى نوح خمس مرات، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات، وعلى محمد صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين ألف مرة.

وقد وصف الله سبحانه وتعالى جبريل عليه السلام بالقوة، فقال: {علمه شديد القوى} [] ، وكان من قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء، ثم قلبها، وكان من قوته أن صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين خامدين، وكان هبوطه من السماء على الأنبياء عليهم السلام وصعوده إليها في أسرع من طرفة عين، ويقال له: الناموس، كما في البخاري ومسلم.

ولقد حكى بعض العلماء في تصنيف له أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى جبريل عليه السلام أن اهبط إلى البلاد الفلانية فاقلب عاليها سافلها، فإنه قد اشتدّ غضبي عليهم في هذه الليلة، فقال جبريل عليه السلام: سبحانك يا رب، وأي ذنب فعلوا؟ قال: إنه قد ركب فيهم في هذه الليلة سبعون ألف ذكر سبعين ألف فرج زنا، قال: فذهب إلى تلك القرى، وكانت سبع مدائن، فرفعها على حافية من جناحه حتى وصل بها إلى عنان السماء، وأراد أن يقلبها، وكان لامرأة منهم عجين، فقامت إليه، ولها طفل نائم في المهد، فلما أن وضعت يدها في العجين استيقظ الطفل من مهده وصاح، فحارت المرأة في أمرها، وماذا تفعل، ويدها في العجين، وولدها يصيح، فقالت من عظيم حرقتها تخاطب ولدها: يا ولدي، إن ربي سبحانه وتعالى من كرمه حليم لا يعجل بالعقوبة على من عصاه، قال: فلما تكلمت المرأة بذلك سكن غضب الله عز وجل، وقال لجبريل: ضع القرى مكانها، فإنه قد سكن غضبي بمناجاة هذه المرأة لولدها، فإني حليم لا أعجل بالعقوبة على من عصاني، فكان الطفل سببا للشفاعة فيمن استحقوا العذاب وهو لا يعلمون.

اللهم ارض عنا، ولا تغضب علينا، آمين، آمين، يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت