وقال ابن عباس - رضي الله عنهما أن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيء ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
وقال وهب بن منبه: مثل سيء الخلق كمثل الفخار المكسور، ولا يرفع ولا يعاد طينا.
وقال الحسن - رضي الله عنه: من ساء خلقه عذب نفسه، ومن كثر ماله كثرت ذنوبه، ومن كثر كلامه كثر سقطه.
وقال أنس بن مالك - رضي الله عنه: إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة، وهو غير عابد، وإن العابد ليبلغ أسفل دركة في جهنم بسوء خلقه.
7 -وفي الحديث: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا يُوْضَعُ فِي الْمِيْزَانِ اَلْخُلُقُ الْحَسَنُ» .
وقيل: حسن الأخلاق كنوز الأرزاق.
وقيل: جمع الله حسن الخلق في ثلاث كلمات: {خُذِ الْعَفْوَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوْفِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .
وقيل: سبعة من أخلاق المؤمنين: مجالسة الفقراء، ومساءلة العلماء، ومخالطة الحكماء، ومؤانسة الأبرار، ومجانبة الأشرار، ومواظبة العبادات، ومكارم الأخلاق.
8 -وجاء في حسن خلقه وتواضعه - صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم - عن أبي سلمة (1) - رضي الله عنه - أنه قال: قلت لأبي سعيد الخدري - رضي الله عنه: ما ترى فيما أحدث الناس من هذا المطعم والمشرب والملبس والمركب؟
قال: يا ابن الأخ، كل لله، واشرب لله، والبس لله، واركب لله، ... وعالج في بيتك من الخدمة ما كان يعالج النبي - صلى الله عليه وسلّم - في بيته: كان يعلف الناضح، ويعتقل البعير، ويقم البيت، ويحلب الشاة، ويخصف النعل ويرقع الثوب، ويأكل مع خادمه، ويطحن مع الخدمة إذا أعيت، ويشتري الشيء من السوق، فلا يمنعه الحياء أن يعلقه بيده، أو يجعله في طرف ثوبه، وينقله إلى أهله، وكان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدئا على من استقبله من صغير أو كبير، أسود أو أحمر، حر أو عبد من أهل الصلاة، ليست له حلة لمدخله وأخرى لمخرجه، لا يستحي أن يجيب إذا دعي، وإن كان أشعث أغبر، ولا يحقر ما دعى إليه، وإن لم يجد إلا حشفة الدقل، لا يرفع عشاء لغذاء، ولا غذاء لعشاء، يصبح تسع أهل أبياته ما بهن كسرة خبز، ولا شربة سويق، هيّن المؤنة، لين الخليقة، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طليق الوجه، بسّام من غير ضحك، محزون من غير عبوس، شديد من غير عنف، متواضع في غير مذلّة، جواد في غير سرف، رحيم بكل ذي قربى ومسلم، رقيق القلب، دائم الإطراق، لم يبشم قط من شبع، ولم يمد يده إلى طمع.
قال أبو سلمة - رضي الله عنه: فدخلت على عائشة - رضي الله عنها - فحدثتها بهذا الحديث كله عن أبي سعيد فقالت: ما أخطأك حرفا واحدا، ولكن قصّر فيما أخبرك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - لم يملأ قط شبعا ولم يبثّ إلى أحد شكواه، وكانت الفاقة أحب إليه من اليسار والغنى، وكان يصلي جائعا، ويتلو ليله جميع القرآن حتى يصبح، ولا يمنعه ذلك من قيام يومه وصيامه، ولو شاء أن يسأل الله تعالى كنوز الأرض وثمارها غدوا وعشيا، من شرقها إلى غربها لفعل.
قالت: وربما أبكي له رحمة لما أرى به من الجوع، وأمسح بطنه بيدي وأقول: يا حبيبي، لو تبلغت من الدنيا بقدر ما يقوتك ويمنعك من الجوع، فيقول لي: يا عائشة: إن إخواني من أولي العزم من المرسلين قد صبروا على ما هو أشد من هذا، فصبروا بحالهم، وقدموا على ربهم، فأكرم مثواهم، وأجزل ثوابهم، فأستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي دونهم، فأصبر أياما يسيرة أحب إلي مما ينقص، وما من شيء أحب إليّ من اللّحوق إلى إخواني (2) .
قالت: فما استكمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذا إلا جمعتين حتى قبضه الله سبحانه وتعالى إليه.
اللهم أمتنا على سنته برحمتك يا أرحم الراحمين، آمين.
الحمد لله الذي تفرد بالعز والجلال، وتوحد بالكبر والكمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نفاد لحكمه ولا زوال، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبده ورسوله الذي أكرمه الله بأشرف الخصال، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه بالغدو والآصال، آمين.
عَنِ أَبِيْ نِجِيْحٍ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَوْعِظَةً، وَجَلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا، قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَا: حَدِيثٌ حَسَنٌ
اعلموا - إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته - أن هذا الحديث حديث عظيم.
(1) بالحقيقة، ليس المراد هنا أبا سلمة الصحابي، وإنما أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. انظر: سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، وذكر فضائله وأعلام نبوته وأفعاله وأحواله في المبدأ والمعاد، لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي (المتوفى: 942هـ) ، (7/ 40) .
(2) قال صاحب سبل الهدى: في سنده ميسرة بن عبد ربه.
قلت: وهو المشهور بالأكال، اعترف بوضع الأحاديث