فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 118

قوله: (وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بعد صلاة الصبح، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقع ذلك منه أحيانا، لا دائما، كما في الصحيحين، مخافة سآمتهم ومللهم.

ولهذا، كان ابن مسعود - رضي الله عنه - يذكر في كل يوم خميس.

قوله: (مَوْعِظَةً) وهي النصح والتذكير بالعواقب.

قوله: (وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوْبُ) أي خافت منها أي من أجلها.

قوله: (وَذَرَفَتْ) - بفتح الراء - أي سالت.

(مِنْهَا الْعُيُوْنُ) أي دموعها.

فيه أنه ينبغي للعالم أن يعظ أصحابه ويذكرهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ولا يقتصر لهم على مجرد الأحكام، والحدود، والرسوم.

وأنه ينبغي المبالغة في الموعظة لترتعش منها القلوب، فيكون أسرع إلى الإجابة.

1 -ولذا، كان - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب، وذكر الساعة، اشتد غضبه، وعلا صوته، واحمرت عيناه، وانتفخت أوداجه.

قال الله تعالى: {وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63] .

2 -وفي الخبر: إذا اشتبكت الأصوات، واختلفت اللغات، وأشار الخلق بالأكف إلى رب السماوات، واشتد البكاء، وعلا النداء، وظهر الحنين، واشتد الأنين، وانهملت العيون بأبلغ العبرات، وأخلص التوبة من سوء الموبقات، اطلع الله جل جلاله فيقول: ملائكتي، إني أشوق إلى دعائهم من الظمآن إلى الماء البارد.

وقد اتفق لبعض السلف في وعظهم أنه كان يموت في مجلسه الواحد والاثنان. كما حكي عن كثير منهم - رضي الله عنهم -.

قال بعضهم: حضرت مجلس ذي النون المصري - رضي الله عنه - في فلاة مصر، فحسبت من حضر، فكان عدتهم سبعين ألفا، فتكلم في محبة الله تعالى، وما يتعلق بالمحبين وصفاتهم، فمات في مجلسه أحد عشر نفسا، وماج الناس بالصراخ والبكاء، ووقع إلى الأرض خلق كثير مغشيا عليهم، ولم يفيقوا ذلك النهار، فناداه بعض مريديه: يا أبا الفيض، أحرقت القلوب بذكر المحبة، فتأوّه ذون النون تأوّها شديدا، وشق قميصه نصفين، وقال: آه، ثم واه، غلقت رهونهم، واستعبرت عيونهم، وحالفوا السهاد، ففارقوا الرقاد، فليلهم طويل، ونومهم قليل، أحوالهم لا تنفذ، وهمومهم لا تفقد، أمورهم عسيرة، ودموعهم غزيرة، باكية عيونهم، قريحة جفونهم، قد عاداهم الزمان، وجفاهم الأهل والجيران، قد أحرقت المحبة قلوبهم، وصفا من الكدر مشروبهم، لا جرم أنهم شربوا بالهنا، وبلغوا المنى.

وقد حكي أن واعظا كان يعظ الناس، فكان يموت في مجلسه الواحد والاثنان والثلاثة، وكان بجواره امرأة صالحة من أرباب الأحوال، ولها ولد وأخ، وكانت تخاف عليهما من الحضور خوفا عليهما، وكل يوم تغلق الباب وتخرج، ففي بعض الأيام خرجت وتركت الباب مفتوحا، فخرجا وحضرا مجلسه، فماتا مع من مات، فلما عادت وجدتهما ميتين في المسجد، فقالت: وعزة ربي، لا يخرج إلا كما خرجا، فلما فرغ الشيخ، وأراد الخروج من المسجد تعرضت له وقالت له هذين البيتين:

أصبحت تنهى ولا تنتهي ÷ متى تلحق القيوم يا أكوع

ويا حجر السن متى تنقضي ÷ تسن الحديد ولا تقطع

فوقعا في قلبه كأنهما سهمان، فخرّ ميتا، رحمه الله عليهم أجمعين.

قوله: (فَقُلْنَا: يَا رَسُوْلَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ) ، وذلك لمزيد مبالغته - صلى الله عليه وسلم - في تخويفهم وتحذيرهم عما كانوا يألفونه قبل، فظنوا أن ذلك لقرب وفته ومفارقته لهم، فإن المودّع يستقصي ما لا يستقصي غيره في القول والفعل،

3 -كما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يبالغ في وعظ أصحابه عند موته ويوصيهم.

قوله: (فَأَوْصِنَا) أي وصية جامعة كافية لمن تمسك بها.

فيه: استدعاء الوصية والموعظة من أهلها، واغتنام أوقات أهل الدين والخير قبل وفاتهم، فإن أعمار الخيار قصار.

قوله: (قَالَ: «أُوْصِيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ» ) جمع في ذلك كل ما يحتاج إليه من أمور الآخرة، إذ التقوى امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وتكاليف الشرع لا تخرج عن ذلك. وقد جعل الله سعادة الدنيا فانية، وسعادة الآخرة باقية، وسعادة الآخرة إنما تحصل بتقوى الله. وهي وصية الله تعالى لجميع الأمم، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131] .

وللتقوى ثلاث مراتب:

الأول: التوقي من العذاب المخلد بالتبري من الشرك. وعليه قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26] .

والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك، حتى الصغائر عند قوم، وهذا التجنب هو المتعارف بالتقوى في الشرع، وهو المراد بقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا} [الأعراف: 96] . وعلى هذا قول عمر بن عبد العزيز - رحمه الله: التقوى: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت