فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 118

وجد بعض ما يستر عورته أو حفظ بعض الفاتحة، أتى بالممكن في جميع ذلك وأشباهه، لأنه مستطاع، وأشباه هذا وغيره منحصرة، ومحله في كتب الفقه، والمقصود هنا التنبيه على أصل ذلك.

مصداق ما ذكر في هذا الحديث قول الله تعالى: {فَاتَّقُوْا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [] المبين لقوله تعالى في الآية الأخرى: {اِتَّقُوْا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] ، إذ {حَقَّ تُقَاتِهِ} هو امتثال أمره واجتناب نهيه، ولم يأمر سبحانه وتعالى إلا بالمستطاع، لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:] ، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ} [] .

يرحم الله البوصيري حيث قال:

صاح لا تأس إن ضعفت عن الطاعات واستأثرت بها الأقوياء

إن لله رحمة وأحق الناس منه بالرحمة الضعفاء

فابق في العرج عند منقلب الذو ÷ د ففي العود تسبق العرجاء

لا تقل حاسدا لغيرك هذا ÷ أثمرت نخله ونخلى عفاء

وائت بالمستطاع من عمل البر فقد يسقط الثمار الإناء

قال بعض شراح قصيدته رحمه الله أنه جرد من نفسه شخصا نهاه وأمره فقال: لا تحزن إن ضعفتْ قواك عن كثرة الطاعة التي هي أعمال الخير ففاز بكثرتها ذو القوة، فإنه تعالى ذو رحمة واسعة تعم القوي والضعيف، والدنيء والشريف، لكن أحق الناس بالرحمة الضعفاء، لانكسار خاطرهم بتخلفهم عن مرادهم بواسطة العجز الناشئ عن الضعف، فقد يحصل لهم من فيض الرحمة ما لا يحصل للأقوياء، لقوله تعالى: «أَنَا عِنْدَ الْمُنْكَسِرَةِ قُلُوْبُهُمْ» فلهذا أمر ببقائه في العرج الذين هم الضعفاء، لأنهم أقوى نية، وأصلح سريرة، وأبعد عن الرياء.

قال ابن الفارض - قمع الله من له يعارض:

وسر زمنا وانهض كسيرا فحظك البطالة ما أخرت عزما لصحة

فربما بسبب ذلك سبقوا الأقوياء إلى النعيم المقيم، إلى مقام كريم، كما أن الشاة العرجاء من الذود المتخلفة عن السوابق منه إذا رجع الذود إلى ربه تصير أمامهم، فتسبقهم إلى الوصول، وتفوز قبل بقية الذود بالمطلوب والمأمول، ثم نهاه عن مفارقة الحسد، بأن يقول: هذا القوي حصلت له بواسطة قوته الأعمال، وبلغ منها الآمال، وما حصل له فاتني مثله بسبب ضعفي، فإن الضعيف قد يحصل له بسبب ضعفه ما لا يحصل للقوي الناظر إلى قوى نفسه، كما أنه يحصل من صغار النخل ثمرة لا تحصل من كبارها: «إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوْبِكُمْ» ، فتأمل هذا المعنى البديع.

قوله (فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ) أي التي لغير ضرورة (وَاخْتِلاَفُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) إذ الاختلاف يؤدي إلى التفريق. ومقصود الشارع صلى الله عليه وسلم الاجتماع، ومن ثَمَّ يروى أن أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وغيرهما من أفاضل الصحابة كان إذا سئل عن مسألة يقول: أَوَقَعَتْ هذه؟ فإن قيل: نعم قال فيها بعلمه أو أحال على غيره، وإن قيل: لا، قال: فدعها حتى تقع.

الاختلاف المذكور في الحديث، قال الإمام النووي في نُكَتِه: هو بضم الفاء، لا بكسرها، عطفا على كثرة، لا على مسائلهم أي أهلكهم كثرة مسائلهم، وأهلكهم اختلافهم، فهو أبلغ، لأن الهلاك نشأ عن الاختلاف.

نذكره للمناسبة، قال المفسرون في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوْسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوْا بَقَرَةً ... الآية} [البقرة:] ، لو أنهم عمدوا إلى أذني بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم. قال تعالى: {فَذَبَحُوْهَا وَمَا كَادُوْا يَفْعَلُوْنَ} [البقرة:] أي من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها.

ولنتكلم على قصتها تماما للمجلس، فنقول:

القصة في ذلك على ما ذكره الإمام البغوي وغيره أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه، فلما طال عليه موته قتله ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى وألقاه بفنائهم، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل، فسألهم موسى فجحدوا، واشتبه أمر القتيل على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم بدعائه، فأمرهم الله بذبح بقرة فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا أي: أتستهزئ بنا، نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة!! قال موسى أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين أي من المستهزئين بالمؤمنين وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال. فلما علم الناس أن ذبح البقرة عزم من الله تعالى استوصفوه، وكان تحته حكمة عظيمة، وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل، وله عجلة أتى بها إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت