فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 118

قوله صلى الله عليه وسلم (وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) أي لأنه من أخلاق الأنبياء والصالحين وآداب الإسلام.

وكان الخليل عليه الصلاة والسلام يسمى أبا الضيفان، وكان يمشي الميل والميلين في طلب من يتغدى معه.

وقد أوجب الضيافة ليلة واحدة الليث بن سعد رضي الله عنه، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ، وحمله عامة الفقهاء على الندب.

وأنها من مكارم الأخلاق ومحاسن الدين، لقوله صلى الله عليه وسلم في الضيف وجائزته يوم وليلة، والجائزة العطية والمنحة والصلة، وذلك لا يكون إلا مع الاختيار، وقل استعمالها في الواجب.

ومما يدل على الندب اقتران الأمر بها بالأمر بإكرام الجار.

وتأول بعضهم الأحاديث على أنها كانت في أول الإسلام، إذ كانت المواساة واجبة، أو كان ذلك للمجاهدين في أول الإسلام، لقلة الأزواد، أو على التأكيد، كقوله: «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ» .

وقد وردت أحاديث كثيرة شهيرة في إكرام الضيف.

ومن فوائده أنه يدخل البيت بالرحمة ويخرج بذنوب أهل المنزل.

ولنختم مجلسنا هذا بشيء يرشد إلى حب المساكين ومجالستهم والرأفة بهم.

قال الله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} [النساء: 36] .

وروى الترمذي عن أنس قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اَللَّهُمَّ أَحِيِنِيْ مِسْكِيْنًا، وَأَمِتْنِيْ مِسْكِيْنًا وَاحْشُرْنِيْ فِيْ زُمْرَةِ الْمَسَاكِيْنِ» ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «لِمَ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟» ، قَالَ: «إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءَ بِأَرْبَعِينَ خَرِيْفًا، يَا عَائِشَةُ، لَا تَرُدِّيْ الْمِسْكِيْنَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ، أَحِبِّي الْمَسَاكِيْنَ وَقَرِّبِيْهِمْ يُقَرِّبْكِ اللهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

وفي الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ اَلْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَنِصْفِ يَوْمٍ» .

والجمع بين الحديثين أن الأربعين أراد بها تقدم الفقير الحريص على الغني، وأراد بخمسمائة عام: الفقير الزاهد على الغني الراغب، فكان الفقير الحريص على درجتين من الفقير الزاهد، وهذه نسبة الأربعين إلى خمسمائة، هكذا نقل عن بعضهم. وقيل غير ذلك.

وعن وهب بن منبه رحمه الله قال: أصابت بني إسرائيل شدة وعقوبة، فقالوا لنبي لهم: وددنا أنا نعلم ما يرضي ربنا فنتبعه، فأوحى الله تعالى إليه: إن أرادوا رضاي، فليرضوا المساكين، فإنهم إذا أرضوهم رضيت، وإذا أسخطوهم سخطت عليهم. ذكره الإمام أحمد في كتاب الزهد له.

ويحكى أن سليمان بن داود عليهما السلام على ما آتاه الله من الملك كان إذا دخل إلى المسجد فنظر إلى مسكين جلس إليه ويقول: مسكين جَالَسَ مسكينا.

فالسعيد من وفقه الله تعالى لحب المساكين، اللهم وفقنا أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

المجلس السادس عشر: في الحديث السادس عشر

الحمد لله الذي تنزه في كماله عن التشبيه والشبيه والمثال، وتوحد في وحدانيته عن المؤانس والموازر والمشير وتغير الحال، وتعالى في قدسه عن الصاحب والصاحبة فلا تدرك عظمته ولا تنال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أدخرها لهول السؤال، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي بصرنا من العمى وهدانا من الضلال، وبعثه مولاه بما يؤيده كلمة الدين على التفصيل والإجمال، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه ما غرد قمري وناح حمام في الأطلال، آمين.

عَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْصِنِيْ» ، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» ، فَرَدَّدَ مِرَارًا، فَقَالَ: «لَا تَغْضَبْ» [رواه البخاري] .

اعلموا إخواني، وفقني الله وإياكم لطاعته، أن هذا الحديث حديث عظيم، يتضمن دفع أكثر شرور الإنسان، لأن الشخص في حال حياته بين لذة وألم، فاللذة سببها ثوران الشهوة أكلا وشربا وجماعا ونحو ذلك، والألم سببه ثوران الغضب، فإذا اجتنبه يدفع عنه نصف الشر، بل أكثره، ولهذا، لما تجردت الملائكة عن الغضب والشهوة سلموا من جميع الشرور البشرية.

وقد اختلفوا في هذا الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو حارثة بن قدامة، أو أبو الدرداء، أو عبد الله بن عمر، أو غيره، ولما سأل الرجل، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَا تَغْضَبْ، فَرَدَّدَ) أي كرر السؤال (مِرَارًا) بقوله: أَوْصِنِيْ يَا رَسُوْلَ اللهِ، لأنه لم يقنع بقوله: «لَا تَغْضَبْ» ، فطلب وصية أبلغ منها أو أنفع (فَقَالَ: «لَا تَغْضَبْ» ) ، فلم يزده عليها، لعلمه بعموم نفعها.

ونظير هذا ما وقع للعباس رضي الله عنه من قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: «عَلِّمْنِيْ دُعَاءً أَدْعُو بِهِ يَا رَسُوْلَ اللهِ» ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَلِ اللهَ اَلْعَافِيَةَ» ، فَعَاوَدَهُ اَلْعَبَّاسُ مِرَارًا، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَلِ اللهَ اَلْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَإِنَّكَ إِذَا أُعْطِيْتَ اَلْعَافِيَةَ أُعْطِيْتَ كُلَّ خَيْرٍ» ، أو كما قال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت