تسئل فيها عنه كالقبر والميزان وعقبات الصراط إن امتثلت جميع أوامره، واهتديت بأنواره، وتحلّيت بما فيه من معالي الأخلاق وشرائف الأحوال.
(أَوْ حُجَّةٌ عَلَيْكَ) في تلك المواقف إن أعرضت عن القيام بما له من واجب الحقوق.
قال بعض السلف: ما جالس أحد القرآن فقام سالما، إما أن يربح، وإما أن يخسر، ثم تلا قوله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] .
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «يُمَثَّلُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلًا فَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ قَدْ حَمَلَهُ فَخَالَفَ أَمْرَهُ، فَيُمَثَّلُ لَهُ خَصْمًا، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ، قَدْ حَمَّلْتَهُ إِيَّايَ، فَبِئْسَ حَامِلٍ تَعَدَّى حُدُوْدِيْ، وَضَيَّعَ فَرَائِضِيْ، وَرَكِبَ مَعْصِيَتِيْ، وَتَرَكَ طَاعَتِيْ، فَمَا يَزَالُ يَقْذِفُ عَلَيْهِ بِالْحُجَجِ حَتَّى يُقَالَ: شَأْنُكَ بِهِ، فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ فَمَأ يُرْسِلُهُ حَتَّى يَكُبَّهُ عَلَى مِنْخَرِهِ فِي النَّارِ» .
قال: «وَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ الصَّالِحِ قَدْ كَانَ حَمَلَهُ، فَيُمَثَّلُ لَهُ خَصْمًا دُوْنَهُ، فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ، حَمَّلْتَهُ إِيَّايَ، فَخَيْرُ حَامِلٍ، لَمْ يَتَعَدَّ حُدُوْدِيْ، وَعَمِلَ فَرَائِضِيْ، وَاجْتَنَبَ مَعْصِيَّتِيْ، وَاتَّبَعَ طَاعَتِيْ، فَمَا زَالَ يَقْذِفُ لَهُ بِالْحُجَجِ حَتَّى يُقَالَ: شَأْنُكَ بِهِ، فَيَأْخُذَ بِيَدِهِ، فَمَا يُرْسِلُهُ حَتَّى يُلْبِسَهُ حُلَّةَ الاسْتَبْرَقِ، وَيَعْقِدَ عَلَيْهِ تَاجَ الْمَلِكِ، وَيَسْقِيْهِ كَأْسَ الْخَمْرِ» .
قوله - صلى الله عليه وسلم: (كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو) أي يصبح ساعيا في تحصيل أغراضه، مسرعا في طلب نيل مقاصده.
(فَبَائِعٌ نَفْسَهُ) من الله تعالى ببذلها فيما يخلصها من سخطه، وأليم عقابه، متوجها بقلبه وقالبه وقاليه إلى الآخرة وأعمالها، معرضا عن زخارف الدنيا، متعبدا بآداب الشرع قولا وفعلا، امتثالا واجتنابا (فَمُعْتِقُهَا) من رقّ الخطايا والمخالفات، ومن سخط الله، وأليم عقابه (أَوْ مُوْبِقُهَا) أي أو بائع نفسه من البطالة ببذلها فيما يرديها، فهو حينئذ موبقها أي مهلكها فيما أوقعها فيه من العذاب.
ولنختم مجلسنا هذا بثلاث فوائد:
الفائدة الأولى: روى الطبراني، والخرائطي: «مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ أَلْفَ مَرَّةٍ فَقَدِ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنَ اللهِ، وَكَانَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ عَتِيْقًا مِنَ النَّارِ» .
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ حِيْنَ يُصْبِحُ: اَللَّهُمَّ إِنِّيْ أَصْبَحْتُ أُشْهِدُ، وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، وَمَلَائِكَتِكَ، وَجَمِيْعَ خَلْقِكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ الَّذِيْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُوْلُكَ، أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، أَعْتَقَهُ اللهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنَ النَّارِ» .
والحكمة في ترتيب العتق على قول ذلك أربع مرات قيل: لأنه أشهد الله، وحملة عرشه، وملائكته، وجميع خلقه، فأعتق الله بشهادة كل شاهد ربعه، وهذا كما أن الإنسان يهدر دمه إذا أشهد أربعة في الزنا، كذلك يعصم دم هذا من النار إذا شهد أربعة على إيمانه.
وقال بعضهم: تكرير هذه الكلمات أربع مرات تبلغ حروفها ثلثمائة وستين حرفا، وابن آدم مركب من ثلثمائة وستين عضوا، فأعتق الله بكل حرف منها عضوا من أعضائه.
ذكر السادة الصوفية أن من قال لا إله إلا الله سبعين ألف مرة أعتق الله بها رقبته أو رقبة من قالها من النار.
قال الشيخ نجم الدين الغيطي - رحمه الله تعالى - في معراجه في تفسير التسبيح، أخرج الطبراني في الأوسط، والخرائطي، وابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ حِيْنَ يُصْبِحُ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، أَلْفَ مَرَّةٍ فَقَدِ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنَ اللهِ، وَكَانَ آخِرَ يَوْمِهِ عَتِيْقَ اللهِ» .
قال: وهذه فائدة عظيمة ينبغي أن يحافظ عليها، وغنيمة جسيمة يبادر إلى الاعتناء بها والمداومة عليها.
قال: ويشبهها ما يتداوله السادة الصوفية من قول لا إله إلا الله سبعين ألف مرة، ويذكرون أن الله تعالى يعتق بها رقبة من يقولها، ويشتري بها نفسه من النار، ويحافظون على فعلها لأنفسهم، وإن مات من أهاليهم وإخوانهم، وقد ذكرها الإمام اليافعي والعارف الكبير المحيي بن عربي، وأوصى بالمحافظة عليها، وذكروا أنه قد ورد فيها خبر نبوي، وحكوا أن شابا صالحا كان من أهل الكشف ماتت أمه، فصاح، وبكى، وخرّ مغشيا عليه، ثم سئل عن سبب ذلك، فذكروا أنه رأى أمه في النار، وكان بعض المشايخ من السادة حاضرا، وكان قد قال هذه السبعين ألفا، وأراد أن يعدّها لنفسه فقال في نفسه عندما سمع قول الشاب المذكور: اللهم إنك تعلم أني هللت هذه السبعين ألف تهليلة، وأريد أن أدخرها لنفسي، أشهدك أني قد اشتريت بها أم هذا الشاب من النار، فما استتمّ لوارد إلا وتبسم الشاب وسُرَّ سرورا عظيما وقال: الحمد لله الذي