وأما صدقة التطوع فقد ورد فيها أخبار كثيرة، منها:
ما جاء أن سائلا أتى امرأة، في فمها لقمة، فأخرجت اللقمة، فناولتها السائل، فلم تلبث أن رزقت غلاما، فما ترعرع، جاء ذئب فاحتمله، فخرجت تعدو في أثر الذئب وهي تقول: أين ابني؟ فأمر الله ملكا: الحق الذئب، فخذ الصبي من فيه، وقل لأمّه الله يقرئك السلام ويقول لك هذه لقمة بلقمة.
ومنها: استعينوا على الرزق بالصدقة.
ومنها: أعظم الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا.
ومنها: إن الله ليصرف العذاب عن الأمة بصدقة رجل منهم.
ومنها: إن الله ليضحك للرجل إذا مدّ يديه بالصدقة، وإذا ضحك الله لعبد غفر له.
ومنها: إن الله عزّ وجلّ ليدخل بلقمة الخبز، وقبضة التمر ومثله مما ينفع المسكين ثلاثة الجنة: صاحب البيت الآمر به، والزوجة المصلحة، والخادم.
ومنها: إن الله تعالى ليربّي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربّي أحدكم فَلُوّه وفصيله، حتى يكون مثل أحد.
ومنها: إن العبد ليتصدّق بالكسرة تربو عند الله حتى تكون مثل أحد.
ومنها: إن صدقة السرّ تطفئ غضب الرب.
ومنها: تعبّد عابد من بني إسرائيل في صومعته ستين عاما، فأمطرت الأرض، فاخضرّت، فأشرف الراهب من صومعته فقال: لو نزلت فذكرت الله لازددت خيرا، فنزل ومعه رغيف أو رغيفان، فبينما هو في الأرض، إذا لقيته امرأة، فلم تزل تكلّمه ويكلّمها حتّى غشيها، ثم أغمي عليه، فنزل الغدير يستحمّ، فجاءه سائل فأومأ إليه أن يأخذ الرغيف أو الرغيفين، ثم مات، فوزنت عبادة الستين سنة بتلك الزنية، فرجحت الزنية بحسناته، فوضع الرغيف أو الرغيفان مع حسناته فرجحت حسناته، فغفر له.
ومنها: يا معشر النساء، تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم، إنكن تكثرن الشكاية، وتكفرن العشير.
وكل هذه الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وجاء: يصيح صائح يوم القيامة: أين الذين أكرموا الفقراء والمساكين في الدنيا، ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون.
حكي أن رجلا عبد الله سبعين سنة، فبينما هو في معبده ذات ليلة إذ وقعت به امرأة جميلة، فسألته أن يفتح لها، وكانت ليلة شاتية، فلم يلتفت إلى كلامها، وأقبل على عبادته، فولت المرأة، فنظر إليها، فملكت قلبه، وسلبت لبّه، فترك العبادة، وتبعها، فقال: إلى أين؟ فقالت: إلى حيث أريد، فقال: هيهات، صار المراد مريدا، والأحرار عبيدا، ثم جذبها، فأدخلها إلى مكانه، فأقامت عنده سبعة أيام، فعند ذلك تفكر فيما كان فيه من العبادة، وكيف باع عبادة سبعين سنة بمعصية سبع ليال، فبكى حتى غشي عليه، فلما أفاق قالت له: يا هذا، والله، ما عصيت الله مع غيري، وأنا ما عصيت الله مع غيرك، وإني أرى في وجهك أثر الصلاح، فبالله عليك، إذا صالحك مولاك فاذكرني. قال: فخرج هائما على وجهه، فآواه الليل إلى خربة فيها عشرة عميان، وكان بالقرب منهم راهب يبعث إليهم في كل ليلة غلاما بعشرة أرغفة، فجاء غلام الراهب بالخبز على عادته، فمد ذلك الرجل العاصي يديه، وأخذ رغيفا، فبقي رجل منهم لم يأخذ شيئا، فقال: رغيفي؟ فقال الغلام: قد فرّقت عليكم العشرة، فقال: أبيت طاويا، فبكى الرجل العاصي، وناول الرغيف لصاحبه، وقال لنفسه: أنا أحق أن أبيت طاويا، لأني عاصٍ وهذا مطيع، فنام، فاشتد به الجوع حتى أشرف على الهلاك، فأمر الله ملك الموت، فقبض روحه، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: هذا رجل فرّ من ذنبه، وجاء طائعا، وقالت ملائكة العذاب: بل هو عاص، فأوحى الله إليهما أن زِنُوا عبادة سبعين سنة بمعصية سبع ليال، فوزنوهما فرجحت المعصية على عبادة السبعين، فأوحى الله تعالى إليهم أن زِنُوا معصية السبع ليال بالرغيف الذي آثر به على نفسه، فوزنوا ذلك، فرجّح الرغيف، فتوفته ملائكة الرحمة، وقبل الله توبته.
قوله - صلى الله عليه وسلم: (وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) أي حبس النفس على العبادات ومشاقها، والمصائب وحرارتها، وعن المنهيات والشهوات ولذاتها، وأفضل أنواعه الأخير فالأول، لخبر ابن أبي الدنيا: «إِنَّ الصَّبْرَ عَنِ الْمُصِيْبَةِ يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ ثَلَثُمِائَةِ دَرَجَةٍ» .
وقوله: (ضِيَاءٌ) أي أن صاحبه لا يزال مستضيئا بنور الحق على سلوك سبل الهداية، والتوفيق مستمرا في مضايق اضطراب الآراء على تحرّي الصواب، لما عنده من ضياء المعارف والتحقيق.
وقال موسى - عليه السلام: إلهي، أي منازل الجنة أحب إليك؟ قال: حظيرة القدس، قال: من يسكنها؟ قال: أصحاب المصائب. قال: يا رب، من هُم؟ قال: الذين إذا ابتليتهم صبروا، وإذا أنعمت عليهم شكروا، وإذا أصابتهم مصيبة قالوا: {إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .
قوله - صلى الله عليه وسلم: (وَالْقُرْآنُ) وهو الكلام المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - للإعجاز به قدر سورة منه. (حُجَّةٌ لَكَ) أي في تلك المواقف التي