ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قوله (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ. عَنْ أَمِيْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ أَبِيْ حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُوْلُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وفي رواية: بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيًا يُصِيْبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، وفي رواية: يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» [رواه إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفي، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة] .
اعلموا اخوني - وفقني الله وإياكم لطاعته - أن"بسم الله الرحمن الرحيم"كلمة من تحقق بها فله جزيل النوال، ومن ذكرها بلغ نهاية الآمال، ومن لازمها خلعت عليه خلع الإقبال؛ ألبس قلبه حلل الاتصال، وأفرد روحه بشهود الجمال، واستكشف سره بكشف الجلال، فهي كلمة توسل بها نوح عليه السلام في الزمن القديم، وعادت بركتها على الهدهد، فكسي تاجا من السميع العليم وقالت بلقيس: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ، إِنِّيْ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيْمٌ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ} [] ، ولم يقرأها سليمان الأخضع له كل شيء، وأمره الله عزّ وجلّ يوم أنزلت عليه أن ينادي في أسباط بني إسرائيل: ألا من أحب منكم أن يحضر أمان الله فليحضر إلى سليمان في محراب داود، فإنه يريد أن يقوم خطيبا، فلم يبق محبوس في العبادة، ولا سائح، حتى هرول إليه، حتى اجتمعت عليه الأحبار، والعُبَّاد، والزهاد، والأسباط كلهم عنده، فقام فوق منبر إبراهيم الخليل، صلى الله عليه وسلم، ثم تلا عليه أمانة الأمان:"بسم الله الرحمن الرحيم".
قال النسفي - رحمه الله - في تفسيره: قيل: إن الكتب المنزلة من السماء إلى الأرض ماة وأربعة صحف؛ شيث ستون، وصحف إبراهيم ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة عشرة، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، ومعاني كل الكتب مجموعة في القرآن، ومعاني القرآن مجموعة في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة، ومعاني البسملة مجموعة في بائها، ومعناها: بي كان ما كان، وبي يكون ما يكون.
زاد بعضهم: ومعاني الباء في نقطتها أي في ذلك إشارة إلى الوحدة، وهي عدم التعدد، فهو الواحد الذي لا نظير له.
وعدد حروف البسملة الرَسَمِيّة: تسعة عشر حرفا، وعدد خزنة النار تسعة عشر خازنا، كما قال الله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [] .
قال ابن مسعود: فمن أراد أن ينجيه الله تعالى من الزبانية فليقلها، ليجعل الله له بكل حرف جُنَّةً أي وقاية من كل واحد منهم، فبها قوتهم، وبها استظلوا (1) .
وقال أبو بكر الوراق - رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم روضة من رياض الجنة، لكل حرف منها تفسير على حدته.
وروى الطبراني: أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بجوار"بسم الله الرحمن الرحيم": هذا كتاب من الله تعالى لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية.
وروي أنه إذا دخا أهل النة الجنّةَ، يقولون بسم الله الرحمن الرحيم، المد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنة حيث نشاء، فنعم أجر العاملين، وإذا دخل أهل النار النارَ، يقولون بسم الله الرحمن الرحيم، وما ظلمنا ربنا، ولكن ظلمنا أنفسنا.
وفي الأخبار، عن النبي المختار، إنه صلى الله عليه وسلم قال ليلة أسري بي إلى السماء، عرض عليّ جميع الجنات، فرأيت فيها أربعة أنهار؛ نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن لم يتغير طعمه، ونهر من خمر لذّة للشاربين، ونهر من عسل مصفى، كما قال الله تعالى في القرآن: {فِيْهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ .. الآية} [] ، فقلت لجبريل: من أين تجيء؟ وإلى أين تذهب؟ قال: تذهب إلى حوض الكوثر، ولا أدري من أين تجيء، فاسأل من الله أن يُرِيَك ذلك، فدعا ربه، فجاء ملك، فسلّم عليه، ثم قال: يا محمد، غَمِّضْ عينيك، قال: فغمضتُ عيني، ثم قال لي: افتح عينيك، ففتحت عيني، فإذا أنا عند شجرة، ورأيت قُبَّةً من درّة بيضاء، ولها باب من ذهب أحمر، وقيل: من زمرد أخضر، لو أن جميع ما في الدنيا من الجن والإنس وقفوا على ثلث القبّة لكانوا مثل طائر جالس على جبل، أو كورقة ألقيت في البحر، فرأيت هذه الأنهار الأربعة تجري من تحت هذه القبة، فلما أردت أن أرجع، قال لي الملك: لِمَ لا تدخل القبة؟ فقلت: كيف أدخلها وعلى بابها قفل من ذهب، وكيف أفتحها؟ قال لي: في يدك مفتاحه، فقلت: أين مفتاحه؟ فقيل: مفتاحه بسم الله الرحمن الرحيم. فلما دنوت من القفل، قلت: بسم الله الرحمن الرحيم، فانفتح القفل، فدخلت القبة، فرأيت هذه الأنهار تخرج من أربعة أركان القبة، فلما أردت الخروج من القبة، قال لي ذلك الملك: هل رأيت يا محمد؟ فقلت: رأيت. قال: انظر ثانيا، فلما نظرت، رأيت مكتوبا بأعلى
(1) استضلعوا