وقيل لبعض السلف: من معه مال، هل هو زاهد؟ قال: نعم، إن لم يفرح بزيادته، ولم يحزن بنقصانه.
وقال سفيان الثوري - رحمه الله تعالى: الزهد في الدنيا قصر الأمل ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء.
ومن دعائه: اللهم زهدنا في الدنيا، ووسع علينا منها، ولا تزوها عنا فترغبنا فيها.
وقال أحمد - رحمه الله: هو قصر الأمل، والإياس عما في أيدي الناس.
1 -وفي حديث مرسل: يا رسول الله، من أزهد الناس؟ قال: «مَنْ لَمْ يَنْسَ الْقَبْرَ وَالْبِلَى، وَتَرَكَ أَفْضَلَ زِيْنَةِ الدُّنْيَا، وَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، وَلَمْ يَعُدَّ غَدًا مِنْ أَيَّامِهِ، وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنَ الْمَوْتَى» .
وقد قسم كثير من السلف الزهد إلى ثلاثة أقسام زهد فرض، وهو اتقاء الشرك الأكبر، ثم الأصغر، وهو أن يراد بشيء من العمل قولا أو فعلا غير الله تعالى، ثم اتقاء جميع المعاصي، وهذا هو الزهد في الحرام فقط. قيل: ويسمى هذا زهدا. وعليه الزهري وابن عيينة وغيرهما. وقيل: لا يسماه، إلا إن انضم إلى ذلك الزهد بنوعيه الآخرين، وهما ترك الشبهات رأسا وفضول الحلال.
ومن ثم قال بعضهم: لا زهد اليوم لفقد الحلال المحض.
وقد جمع أبو سليمان الدارني - رحمه الله تعالى - أنواع الزهد كلها في كلمة، فقال: هو ترك ما يشغلك عن الله عز وجل.
واعلموا إخواني أن الذم الوارد في الدنيا في الكتاب والسنة ليس راجعا لزمانها وهو الليل والنهار، فإن الله تعالى جعلهما {خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] ، ولا لمكانها وهو الأرض، لأن الله تعالى جعلها لنا مهادا، ولا إلى ما أودعه الله تعالى فيها من الجمادات والحيوانات، لأن ذلك من نعمه على عباده، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] ، وإنما هو للاشتغال بما فيها عما خلقنا لأجله من عبادته تعالى. قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] . ثم من بني آدم من أنكر المعاد، وهؤلاء هم أهل التمتع بالدنيا، على أن منهم من كان يأمر بالزهد فيها، ويرى أن كثرتها توجب لهم الغم، ولذا قال أصحابنا: لا يكفي الخطيب من الوصية بالتقوى ذم الدنيا، لأن ذمها معلوم لكل أحد، حتى لمنكري المعاد، وبقيتهم يقرون بالمعاد، ولكنهم منقسمون إلى ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات.
فالأول، وهم الأكثرون، هم الذين وقفوا مع زهرة الدنيا بأخذها من غير وجهها، واستعمالها في غير وجهها، فصارت أكبر همهم، وهؤلاء أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكل هؤلاء لا يعرفون المقصد منها، ولا أنها منزل سفر يتزود منها إلى دار الإقامة، وإن آمن به مجملا.
والثاني: أخذها من وجهها، لكنه توسع في مباحاتها، وتلذذ بشهواتها المباحة، وهو وإن لم يعاقب عليه لكنه ينقص من درجاته بقدر توسعه في الدنيا.
2 -وصح عن ابن عمر - رضي الله عنهما: لا يصيب أحد من الدنيا شيئا إلا نقص من درجاته في الآخرة، وإن كان عليه كريما.
3 -وقد روى الترمذي: «أَنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِيْ سَقِيْمَهُ الْمَاءَ» .
4 -وروى الحاكم: «إِنَّ اللهَ لَيَحْمِيْ عَبْدَهُ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ كَمَا تَحْمُوْنَ مَرِيْضَكُمْ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ تَخَافُوْنَ عَلَيْهِ» .
5 -وروى مسلم: «اَلدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ» أي بالنسبة لما أمامه من النعيم الأخروي «وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» أي بالنسبة لما أمامه من العذاب الدائم الأليم المقيم.
والثالث هم الذين فهموا المراد من الدنيا، وإن الله سبحانه وتعالى إنما أسكن عباده فيها، وأظهر لهم لذاتها ومضراتها ليبلوهم أيهم أحسن عملا، كما نص على ذلك في غير آية.
قال بعض السلف ممن زهد في هذه الدنيا ورغب في الآخرة، ولما بين تعالى أنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلوهم أيهم أحسن عملا، بين انقطاع ذلك ونفاده بقوله: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف: 8] ، فمن فهم أن هذا هو مآلها جعل همه التزود منها الدار القرار واكتفى من الدنيا بما يكتفى به المسافر في سفره.
6 -وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: «مَا لِيْ وَلِلدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِيْ وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ فِيْ ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» .
ثم من أهل هذا القسم من اقتصر من الدنيا على سدّ رمقه فقط، وهو حال كثير من الزهاد، ومنهم من فسح لنفسه أحيانا في تناول بعض مباحاتها لتقوى النفس به، وتنشط للعمل.
7 -ومنه خبر أحمد، والنسائي: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ: اَلنِّسَاءُ، وَالطِّيْبُ، وَالطَّعَامُ» ، فأصاب من النساء والطيب، ولم يصب من الطعام، وتناول الشهوات المباحة بقصد التقوّي على الطاعة يصيرها طاعات، فلا يكون من الدنيا.
8 -ولذا صح على ما قاله الحاكم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «نِعْمَتِ الدَّارُ لِمَن تَزَوَّدَ مِنْهَا لِآخِرَتِهِ حَتَّى يُرْضِيَ رَبَّهُ، وَبِئْسَتِ الدَّارُ لِمَنْ صَدَفَ بِهَا عَنْ آخِرَتِهِ، وَقَصَّرَتْ بِهِ عَنْ رِضَا