فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 118

ثم عاد الثالثة، فسكت عنه، فأقيمت الصلاة، فلما انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو أمامة: تبع الرجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انصرف، وتبعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنظر ماذا يردّ على الرجل، فلحق الرجل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا، فأقمه عليّ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أَتَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟» قال: بلى يا رسول الله، قَالَ: «ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا؟» قال: نعم يا رسول الله، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ اللهَ تعَالَى قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ» ، أو قال: «ذَنْبَكَ» .

فتبيّن من هذه الأحاديث الشريفة أن الحسنات هي الصلوات الخمس، والسيئات هي الصغائر من الذنوب.

ويجوز أن تكون الحسنة مطلقا، والمحو على حقيقته، كما هو ظاهر الحديث، وفضل الله تعالى واسع، وخبر أبي أمامة المذكور يؤيد ذلك.

وقد قيل: إن الحسنات هي سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال الإمام القشيري - رحمه الله: ينبغي للعبد أن يستغرق جميع الأوقات بالعبادات، فإن أخلاه لحظة من الزمان من فرض يؤديه المرء أو نفل يأتي به حسرة عظيمة وخسران مبين، {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114] .

وقال السلمي، قال الواسطي: أنوار الطاعات يذهبن ظلم المعاصي.

وقال أهل الحقائق: حسنات الندم تذهب سيئات الخدم.

وقال بعضهم: إسكاب العبرة يذهب سيئات العثرة.

وقال بعضهم: حسنات الاستغفار تذهب سيئات الإصرار.

وقيل: غير ذلك.

قال السلمي - رحمه الله: ما آخذ الله أحدا إلا بذنوبه، فمن لزم الصلاح والطاعة وقاه الله تعالى الآفات ومكاره الدارين، ولذلك قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] ، والإصلاح هو الرجوع إلى الله، والتضرع والابتهال إليه في كل وقت ولحظة ونفَس.

وقال شقيق: الصلاح ثلاثة أشياء، أكل الحلال، واتباع السنن، ومخالفة الهوى.

وقال القشيري: إن الله سبحانه وتعالى من كرمه لم يهلك من كان مصلحا، وإنما أهلك من كان ظالما.

قوله (وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) أي عاشرْهم بخلق حسن، وهو أن تعاملهم بما تحب أن يعاملوك به، من: كفي الأذى، وطلاقة الوجه، وما أشبه ذلك، لتجلب القلوب، وتكمل المحبة، وذلك جماع الخير، وملاك الأمر.

وجاء في حسن الخلق أخبار وآثار كثيرة، سنذكر منها جملة فيما يأتي إن شاء الله تعالى، وهو من شيم النبيين والمرسلين، وخواص المؤمنين، ويكفي في ذلك مدح الباري سبحانه وتعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] .

كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شديد اللطف بالنساء، وقال: «أَيُّمَا رَجُلٍ صَبَرَ عَلَى سُوْءِ خُلُقِ امْرَأَتِهِ أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا أَعْطَى أَيُّوْبَ فِيْ بَلَائِهِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ صَبَرَتْ عَلَى سُوْءِ خُلُقِ زَوْجِهَا أَعْطَاهَا اللهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا أَعْطَى آسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمَ اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ» (1) .

حكي أن رجلا جاء إلى عمر - رضي الله عنه - يشكو إليه خلق زوجته، فوقف ببابه ينتظر، فسمع امرأته تستطيل عليه بلسانها وهو ساكت لا يرد عليها، فانصرف الرجل قائلا: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين، فكيف حالي، فخرج عمر، فرآه موليا، فناداه: ما حاجتك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، جئتُ أشكو إليك خلق زوجتي واستطالتها عليّ، فسمعتُ زوجتك كذلك، فرجعتُ، وقلت: إذا كان هذا حال أمير المؤمنين مع زوجته، فكيف حالي؟ فقال له عمر: إني احتملتها لحقوق لها عليّ، إنها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، غسالة لثيابي، مرضعة لولدي، وليس ذلك بواجب عليها، ويسكن قلبي بها عن الحرام، فأنا احتملتها لذلك، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، وكذلك زوجتي، فقال: احتملها يا أخي، فإنما هي مدة يسيرة.

فانظروا - إخواني - إلى حسن هذا الخلق، اللهم حسّن أخلاقنا، ووسع علينا أرزاقنا يا كريم.

المجلس التاسع عشر: في الحديث التاسع عشر

الحمد لله غافر الذنب وإن تكاثرت الذنوب، قابل التوبة لمن يتوب، شديد العقاب عند قسوة القلوب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له جابر الكسير، وميسر العسير، ومفرج الكروب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي أطلعه الله تعالى على أسرار الغيوب، وملكه زمام الدنيا والآخرة، فهو أعظم مخلوق وأشرف محبوب - صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه من الشروق إلى الغروب، آمين.

عَن أَبِي العبَّاسِ عبْدِ الله بنِ عَبّاسٍ -رَضِي اللهُ عَنْهُما- قالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلاَمُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ؛ احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ

(1) أورده الغزالي في"إحياء علوم الدين" (2/ 39) وقال مخرجه العراقي:"لم أقف له على أصل". وأقره الزبيدي في"شرح الإحياء" (5/ 352) وذكر نحوه السبكي في"الطبقات" (4/ 154) . وانظر أيضا: سلسلة الأحاديث الضعيفة للشيخ ناصر الدين الألباني حديث رقم 627.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت